آخر تحديث: 3 / 9 / 2026م - 1:28 ص

ستُّ صفحات

فوزي آل غريب *

الصفحة الأولى

كنتُ صغيرًا بما يكفي
لأصدّق أن الأشياء
تبقى في أماكنها.

كنتُ أعود إلى البيت
فأجد الباب كما تركته،
والكرسيَّ في مكانه،
والنافذةَ تحفظ شكل المساء،
فأظن أن العالم
يعرف كيف يحافظ على وعوده.

لم أكن أعرف
أن الأشياء لا ترحل دفعةً واحدة،
وأنها تبدأ بالرحيل
حين نتوقف عن ملاحظتها.

كنتُ أبحث عن يدي
في يد أمي،
لا لأشعر بالأمان،
بل لأتأكد أنني موجود.

كان يكفيني
أن يناديني أحدٌ باسمي
كي أعرف أن لي مكانًا
في هذا العالم.

ثم كبرت.

واكتشفت أن الاسم
قد يكون أول ما نضيّعه
ونحن نحاول
أن نعرف من نكون.

الصفحة الثانية

كبرتُ قليلًا،
وصار للمرآة رأيٌ آخر.

لم تعد تعيد وجهي،
بل وجوه الذين أحبّوني،
والذين خذلوني،
والذين أحببتهم
ولم يعرفوا.

اكتشفت أن للإنسان
أكثر من وجه؛
وجهًا يراه الناس،
ووجهًا يراه الذين اقتربوا كثيرًا،
ووجهًا ثالثًا
لا يراه أحد.

ذلك الذي نخبّئه
حتى عن أنفسنا.

كنتُ أقول: أنا،
وأشعر أن الكلمة
أكبر من قدرتي عليها.

فكلُّ شخصٍ مرّ بي
ترك فيَّ شخصًا آخر.

واحدٌ علّمني أن أبتسم
حين لا أرغب،
وآخر علّمني الصمت،
وثالثٌ ترك في قلبي
بابًا لم أعرف كيف أغلقه.

حتى الذين غادروا
ظلّوا هنا؛
في طريقة كلامي،
في خوفي،
في الأشياء التي أتجنبها
دون أن أعرف لماذا.

وعرفتُ متأخرًا
أننا لا نفقد الأشخاص تمامًا؛
يبقى منهم فينا
ما لا يعرف الرحيل.

الصفحة الثالثة

ثم جاء الزمن.

لم أره يدخل،
لكنه كان قد جلس
في الغرفة قبل أن أنتبه.

وجدته في صورةٍ قديمة،
في قميصٍ لم أعد أرتديه،
في أغنيةٍ كنتُ أسمعها
دون أن أعرف
أنها ستصبح يومًا
مفتاحًا لبابٍ مؤلم.

كان الماضي هادئًا جدًا.

وهذه مشكلته.

لا يطرق الباب،
ولا يطلب الإذن.
يظهر فجأة
في رائحة مكان،
أو في صوت شخصٍ يشبه شخصًا آخر،
أو في مساءٍ طويل
لا أعرف لماذا
يشبه مساءً قديمًا.

كنتُ أظن أنني تجاوزتُه.

ثم رأيتُه
يمشي أمامي
بوجهٍ جديد.

فهمتُ أن الماضي
لا يبقى خلفنا.

إنه يغيّر ملامحه،
ثم يعود
كأنّه لم يرحل.

ولذلك
لم تعد الساعة تخيفني.

كان يخيفني
أن تصل عقاربها
إلى مكانٍ كنتُ فيه سعيدًا،
ولا أستطيع العودة إليه.

الصفحة الرابعة

حاولتُ أن أكتب.

ظننتُ أن الكلمات
يمكن أن تفعل
ما عجزت عنه يداي.

كتبتُ: أحبك،
فبدت الكلمة صغيرة
أمام كل ما أردتُ قوله.

كتبتُ: اشتقتُ،
فشعرت أن الاشتياق
أوسع من اللغة.

كتبتُ: سامحتُ،
ولم أعرف
هل كنتُ صادقًا،
أم أنني تعبتُ من الغضب.

ومنذ ذلك اليوم
لم أعد أثق كثيرًا بالكلمات.

فالكلمة حين تصل
يكون شيءٌ من معناها
قد بقي في الطريق.

نقول: قلب،
فننسى ارتجافه،
وتلك الخفقة الخفيّة
التي لا يسمعها أحد،
لكنها تقول ما عجزنا عن قوله.

نقول: فراق،
فنخفي وراءه
ليالي كاملة
قضيناها نحدّق في الهاتف
ولا نكتب.

نقول: حب،
كأن الحب كلمة.

وهو في الحقيقة
يدٌ نبحث عنها في الظلام،
وصوتٌ نعرفه من بين ألف صوت،
وكرسيٌّ نتركه فارغًا
رغم أننا نعرف
أن صاحبه لن يعود.

عرفتُ أن اللغة
لا تنقذنا.

لكنها أحيانًا
تمنح الألم اسمًا،
فنستطيع أن نحمله.

الصفحة الخامسة

وحين غادر الجميع،
لم أعرف ماذا أفعل بنفسي.

كان البيت هادئًا
إلى درجة أنني سمعت
أشياء كنتُ أظنها ماتت.

ضحكةً قديمة
تتحرك في الذاكرة.

خطواتٍ
لا أحد يمشيها.

صوتًا يناديني،
ثم يختفي
قبل أن ألتفت.

جلستُ طويلًا
دون أن أشعل الضوء.

لم أكن حزينًا تمامًا،
ولا سعيدًا.

كنتُ فقط
أقرب إلى نفسي مما ينبغي.

هناك اكتشفت
أن الوحدة ليست
أن تكون بلا أحد.

الوحدة أن يكون حولك
كل ما تحب،
ولا تستطيع الوصول إليه.

أن تحمل في صدرك
بيتًا كاملًا،
ولا تجد له بابًا.

وأن تشتاق
إلى شخصٍ تعرف
أن عودته لن تعيد
الشخص الذي كنتَه معه.

في تلك الليلة
لم أبكِ.

وضعتُ رأسي على يدي
كما يفعل طفلٌ
حين لا يعرف
لمن يشتكي.

وشعرتُ لأول مرة
أنني لا أحتاج
إلى الهرب من حزني.

كنتُ أحتاج فقط
أن أجلس بجانبه،
دون أن أطلب منه الرحيل.

الصفحة السادسة

فتحتُ الصفحة الأخيرة
ولم أجد ما أكتبه.

بقي القلم في يدي
مثل سؤالٍ
تأخر كثيرًا.

تذكرتُ الطفل
الذي كان يحتاج
إلى يدٍ أخرى
ليتأكد أنه موجود.

وتذكرتُ الرجل
الذي أمضى عمره
يحاول أن يعرف
أيُّ نسخه
هي الحقيقة.

وفهمتُ شيئًا بسيطًا،
لكنه جاء متأخرًا:

ربما لا نكتب حياتنا
كي نفهمها.

نكتبها
كي نعترف أننا كنّا هناك.

أننا أحببنا.

أننا خفنا.

أننا انتظرنا
أكثر مما ينبغي.

وأن بعض الذين مرّوا بنا
لم يكونوا عابرين كما ظننا؛
كانوا صفحاتٍ كاملة
من أعمارنا.

أغلقتُ الصفحات الخمس.

أما السادسة،
فتركتها مفتوحة.

لم أكتب فيها نهاية.

كتبتُ اسمي فقط.

ثم تركتُ تحته
سطرًا طويلًا من البياض.

فقد يكون ما يتبقى من الإنسان
ليس ما استطاع أن يقوله،

بل ما ظلَّ
يعجز عن قوله

كلما حاول
أن يكتب نفسه.