ليس كلُّ صمودٍ بطولة ولا كلُّ انسحابٍ هزيمة
يقولون لك أحيانًا: «أنت ما تصمل»؛ وكأن الصمود أن تبقى في كل معركة، وأن النصر أن تكسب كل جولة، وأن الرجوع ضعفٌ لا حكمة، وهزيمةٌ لا فطنة. والحقيقة أن الحياة ليست ساحةً واحدة، ولا الخصومات درجةً واحدة؛ فلكل مقامٍ ميزان، ولكل ميدانٍ بيان.
في شأنك الشخصي، إن كنت على حق، فاثبت بلا ظلم، واصبر بلا وهن؛ فقد قال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: 112]. فالحق يستحق الثبات، ما دام الثبات لا يتحول إلى اعتداءٍ أو فساد.
أما في العائلة، فالحساب مختلف؛ فقد تنتصر في الحجة وتخسر أخًا، وتربح موقفًا وتفقد قلبًا. والله يقول: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: 128]. فليس كل حقٍّ يُستوفى كاملًا، ولا كل خلافٍ يستحق اشتعالًا؛ فصلة الرحم أحيانًا أغلى من انتصار الكلام.
وفي الشأن الاجتماعي، أظهر رأيك، وبيّن حجتك، ثم زن المصلحة العامة؛ فإن صار الإصرار فتنةً على الكيان، فالحكمة أن تؤجل لا أن تفجر، وأن تنتظر لا أن تكابر. قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: 34]. فليس كل تراجعٍ تنازلًا عن المبدأ؛ فقد يكون حفظًا للمبدأ حتى يأتي أوانه، فلكل أذانٍ وقت، ولكل فكرةٍ بيئةٌ وصوت.
وقد رأينا في صلح الحديبية أن النبي ﷺ قبل شروطًا بدت لبعض الصحابة ثقيلة، حتى قال عمر رضي الله عنه ما قال، ثم أثبتت الأيام أن ما بدا تنازلًا كان فتحًا، فنزل قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ [الفتح: 1]. لم يكن الرجوع ضعفًا، بل رؤيةً أبعد من لحظة الغضب.
وفي الوظيفة، نافس بشرف على حقك، ولا تبنِ صعودك على سقوط غيرك؛ فالله يقول: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الأعراف: 85].
وفي الأعمال والتجارة، قاتل بالمنافسة لا بالمكيدة، وبالجودة لا بالغيبة، وبالإبداع لا بالإقصاء؛ فالنجاح الذي يُبنى على ظلم الناس خسارةٌ وإن كثرت أرباحه.
الصمود الحقيقي ليس أن تبقى في كل معركة، بل أن تعرف أي معركة تستحق البقاء، وأيها يستحق التأجيل، وأيها يكون الانسحاب منها هو عين الانتصار. فالعاقل لا يسأل فقط: هل أنا على حق؟ بل يسأل أيضًا: ما ثمن إثبات هذا الحق؟ ومن سيدفعه؟














