صهيل المماليك في مدريد: عندما أيقظ نابليون أشباح الأندلس
«I used to rule the world...»
«كنتُ أحكم العالم»، هكذا تبدأ الأغنية بمرارة عن مَلكٍ مخلوع يتأمل حطام عرشه بعد أن تلاشى واستحال رماداً. ليست هذه القصيدة الغنائية الإنجليزية مجرد رثاءٍ لمجدٍ غابر، بل هي معزوفةٌ تختزل تلك اللحظات الفاصلة التي تهوي فيها الإمبراطوريات من قممها العالية إلى قاع الذهول. ولعل أكثر مشاهد التاريخ تجسيداً لهذا التدافع القهري والمأساة الملحمية يتجلى في صفعةٍ تاريخية غير متوقعة هزّت شوارع مدريد في صباحٍ ربيعي صاخب من مايو عام 1808.
في ذلك اليوم، لم تكن ساحة ”بويرتا ديل سول“ تشهد زحفاً تقليدياً لجيوش أوروبا، بل كانت أزقة مدريد الضيقة تختنق برائحة البارود وهلع المتاريس. وسط صراخ الأهالي وتصاعد أعمدة الدخان، انشق الغبار عن مشهدٍ يخلع القلوب: خيلٌ مسوّمة تتدفق كالسيل الجارف، يمتطيها فرسان بوجوهٍ سمراء، يعتمرون العمائم الملونة، وتتطاير عباءاتهم المشرقية في الهواء. يقبضون بأيديهم على سيوفٍ دمشقية معقوفة تبرق تحت شمس إسبانيا. لم يكن هؤلاء خيالة من روما ولا فرساناً من فرنسا، بل كانوا فرسان المماليك المصريين. كانوا يعدون مسرعين بأجساد صُقلت بمحن القتال، وبأس سُبك في نار الحرب، وسرعة دفعتهم عبر تلك الشوارع الضيقة حتى استحالت إلى مصيدة موت.
كان الرعب المنتشر بين أوساط المقاتلين والمارة مضاعفاً. فالأهالي الذين احتشدوا بالخناجر والحجارة والأواني النحاسية لم يروا مجرد جيش محتل، بل شعروا بعودة ”أشباح الماضي“. كانت النساء يلقين بالماء المغلي والأثاث الثقيل من الشرفات، بينما يرمي الرجال بأجسادهم تحت حوافر الخيل في نوبة غضبٍ عارمة تنبش قروناً من الذاكرة الجمعية.
كيف وصل هؤلاء الفرسانُ المشرقيون، بأزيائهم وبأسهم، إلى قلب العاصمة الإسبانية في بداية القرن التاسع عشر؟
تكمن الإجابة في طموح داهية العصر: نابليون بونابرت. فخلال حملته على مصر عام 1798، ورغم هزيمة المماليك أمام المدافع الفرنسية الحديثة في معركة الأهرام على الضفة الغربية من النيل، انبهر نابليون ببراعتهم الفريدة في القتال الفردي وركوب الخيل. أدرك نابليون أن هذه الفروسية الشرقية تشكل سلاحاً نفسياً وعسكرياً فتاكاً، فصاغ منهم كتيبة خاصة ألحقها بالحرس الإمبراطوري الفرنسي، وألبسهم أفخر أزيائهم التقليدية لتكون قوته الضاربة وخدمه الخلّص. وحين زحف بونابرت لإخضاع مملكة إسبانيا، استدعى هذه الكتيبة الاستثنائية لتقوم بما تجيده: اختراق حشود العسكر في ساحة الحرب ودهس العصيان في الأزقة الملتوية.
ولم يكن لهذا الذهول التاريخي أن يمرّ دون أن يُخلّده الفن العالمي، إذ برعت ريشة الفنان الأسباني فرانسيسكو غويا في توثيق تلك المشاهد الدامية في تحفته الخالدة ”الثاني من مايو 1808: هجوم المماليك“. في تلك اللوحة التي تفور بالدم والبارود، جسّد غويا ذروة الصدام المشحون بالضغائن الدفينة: خناجر الثوار المستميتين وهي تنغرس في بطون الخيل الجامحة، والعمائم الملونة تتهاوى تحت طعنات الغضب الشعبي، وملامح الفرسان تضطرب في قتال الشوارع المهين، حيث تلاشت هيبة الفروسية أمام شراسة العوام، واستحال المجد العسكري إلى مذبحة أزقةٍ تدنس شرف السيف. لم يرسم غويا نصراً ولا فتحاً، بل وثّق اللحظة العارية التي اصطدم فيها جبروت الغزاة بجنون الذاكرة الفوّارة، محيلاً ساحة ”بوابة الشمس“ إلى مسلخٍ يستحضر كل أحقاد الأمس.

لوحة «الثاني من مايو 1808 في مدريد» لفرانسيسكو غويا، التي تجسّد اشتباك أهالي مدريد مع فرسان المماليك
تكمن الخاتمة في سخريةٍ تاريخية مريرة. فأسبانيا التي خاضت مئات السنين من محاكم التفتيش و”حروب الاسترداد“ لإنهاء الوجود الإسلامي في شبه الجزيرة الأيبيرية، وجدَت نفسها بعد ثلاثة قرون تُستباح شوارع عاصمتها تحت قعقعة سيوف مماليك مسلمين جاء بهم إمبراطور فرنسي من تخوم القاهرة! لقد تآمرت الأقدار لتبصق نار ذاكرتها القديمة في وجه مدريد، وتستحضر أشباح التاريخ في لحظةٍ تدور بين العبرة والعبثية، حيث اختلطت دماء الثوار بصهيل الخيل الشرقية في القلعة الأندلسية القديمة وشوارعها المرصوفة بالحجر.
إنها الدراما الصارخة لدولاب التاريخ، حيث ترتفع الأمم وتهبط، وتتبدّل العروش والأقنعة، وتقوم حقيقة واحدة: أن التاريخ لا يموت، بل يترصّد عند كل منعطف، ليشهد كيف يتحول الحكام والغازون إلى مجرد أصداء خاوية تردِّد في ذيل الخسارة: ”كنت أحكم العالم“.














