آخر تحديث: 6 / 9 / 2026م - 11:44 ص

زيارة واحدة لا تكفي

رائدة السبع * صحيفة اليوم

تقول صديقتي، التي كانت زيارتها الأخيرة للرياض قبل عامين: ”في السعودية... لا شيء يبقى على حاله بين زيارة وأخرى“.

وأنا لا أتعامل مع هذه الجملة كحكم، بل كشيء أختبره كل مرة أتنقل فيها بين مدن مملكتنا الحبيبة.

من وسط الرياض إلى ملهم، يتغير الإيقاع تدريجيًا؛ تتسع المساحات، وتصبح الحركة أكثر انسيابًا، وكأنك تخرج من مدينة مألوفة إلى فكرة تُبنى أمامك.

في الداخل، كان ”ليب“ حاضرًا بثقله: شركات تقنية عالمية، ومنصات عرض، ونقاشات تمتد من الاقتصاد إلى ما يمكن أن تكون عليه الحياة لاحقًا.

لكن ما كان لافتًا لي لم يكن حجم الحدث، بل طريقة وجوده؛ كأن المكان لا يعرض المستقبل فقط، بل يعيد ترتيبه أمامي.

بين ممر وآخر، وشاشة وأخرى، كانت الوجوه تتحرك والأفكار تتقاطع. توقفت قليلًا وسألت نفسي: ماذا يتكرر هنا كل عام ويجعلني أندهش بالطريقة نفسها؟ هل هي كثافة ما أراه، أم أن المكان نفسه يغيّر طريقة الرؤية؟

وللحظة، شعرت أن جودة الحياة تظهر في تفاصيل التجربة؛ في الحركة، وفي المسافات، وفي إحساسك بأنك داخل التجربة لا خارجها.

في تلك اللحظة، عاد إلى ذهني صوت الشاعر غازي القصيبي حين كتب:

"ونائية أنتِ مثل الرياض

يطول إليها.. إليكِ.. السفر"

لكن وأنا هنا، وسط هذا الامتداد من الفعاليات والحركة، لم أعد أستطيع قراءة كلمة ”نائية“ كما كُتبت يومًا.

قلت في داخلي بهدوء: لم تعد الرياض نائية، ولم تعد السعودية تُقاس بالمسافة أصلًا.

فالمسافة لم تعد جغرافيا، بل صارت في سرعة التحول نفسه.

عدت إلى التجول داخل المعرض. كل جناح فكرة، وكل فكرة تحاول أن تتحول إلى واقع.

وعند الخروج من ملهم، شعرت وكأنني أترك خلفي مساحة لم تنتهِ بعد من التفكير.

وفي نهاية اليوم، لا يبدو أنك غادرت مؤتمرًا أو معرضًا، بل خرجت من تجربة ممتدة تتغير أشكالها دون أن تنقطع.

ربما لأن المكان هنا لم يعد يُقرأ كجغرافيا، بل كتحول في معنى الجغرافيا نفسها. فالأوطان حين تدخل زمن التحول السريع لا تُقاس بما تُظهره في لحظة، بل بما تفتحه من احتمالات قادمة.

وكل من يمر بها مرة يخرج منها وفي نفسه شيء لم يكتمل، كأنها أودعت فيه سؤالًا لا جواب له، ودهشة لا تنطفئ.

ويبقى السؤال معلقًا...

إذا كان يوم واحد في العاصمة يبدو بهذا الامتداد، فكيف يمكن لزائر أن يقول إنه رأى المملكة كاملة؟