آخر تحديث: 7 / 9 / 2026م - 11:52 ص

البيت التقليدي في واحة القطيف.. وثيقة يقرأها المكان

إسماعيل هجلس *

عندما نسمع كلمة «وثيقة تاريخية» نتخيل عادةً صك، فاتورة زكاة تمر، ورقة قديمة، أو رسالة، أو عقداً، أو سجلاً يحمل تاريخاً واسماً، لكن ماذا لو كانت الوثيقة بيننا وأمامنا، ولا تحتاج إلى ورق؟

ماذا لو كانت جداراً، أو باباً، أو سقفاً، أو زخرفة، أو حجراً؟ فالوثيقة ليست بالضرورة شيئاً مكتوباً، يمكن أن يكون أثرًا بقي من الماضي ويحمل لنا شيئاً من حكاية أجدادنا.

ومن هنا يأتي السؤال:

هل البيت التقليدي في القطيف مجرد مبنى قديم! أم يمكن أن يكون شيئًا مهمًّا كوثيقة تاريخية؟

أعتقد أن البيت القديم يمكن أن يكون وثيقة متكاملة، لماذا؟

لأنه يحفظ في تفاصيله شيئاً من حياة الذين بنوه وعاشوا فيه، بداية من المواد التي استخدموها، والطرق التي عرفوها في البناء، إلى ذوقهم في الزخرفة وطريقة تعاملهم مع الضوء والهواء والخصوصية، فالبيت نفسه يحكي، لكن علينا أن نتعلم ونتقن كيف نقرأه؟.

متى يصبح الشيء القديم وثيقة!

ليس كل ما هو قديم وثيقة تاريخية بالضرورة، فالقدم وحده لا يكفي، لكن عندما نجد في الشيء القديم معلومة تقودنا إلى زمن أو مكان أو طريقة حياة، تصبح له قيمة تتجاوز عمره، قد يكون عمره هو المعلومة، وقد تكون مادته، أو طريقة صنعه، أو موقعه، أو وظيفته، أو حتى التفاصيل الصغيرة التي بقيت فيه، ولهذا فإن السؤال الأهم ليس: كم عمر هذا الشيء؟

بل: ماذا يستطيع أن يخبرنا عن الماضي؟

البيت التقليدي وثيقة مفتوحة

إذا دخلنا بيتاً قطيفياً قديماً بعين راصدة مختلفة، سنكتشف أنه أشبه بصفحات مفتوحة، الجدار يخبرنا عن مواد البناء، السقف عن الخشب وأنواعه وطريقة الإنشاء وطبقاته، الباب ونوع الخشب وعن الحرفيين والنجارة والحرفة، الزخرفة عن الذوق الفني، الدهليز والحوي والفتحات عن طريقة استخدام المكان، أما موقع المبنى أو البيت وعلاقته بالطريق والبراحة، والعين، والفريق، والمسجد والسوق، والچبرة، والنخل والبحر، فيحكي شيئاً عن شكل الحياة والمدينة في ذلك الوقت، لهذا فالبيت والمبنى ليس مجرد بناء انتهى دوره، إنه أثر يحمل ذاكرة المكان.

تفاصيل صغيرة تحمل حكايات كبيرة

أحياناً لا نحتاج إلى قراءة البيت كله حتى نكتشف قيمته، قد تكفي قطعة من حجر أو خشب لذلك!

الحجر

نوع الحجر المستخدم، وموقع استخراجه، وطريقة تشذيبه وبنائه، وشكله واحجامه، وحتى اختلافه بين مبنى وآخر، يمكن أن يعطينا فكرة عن مواد البناء التي عرفها أهل المنطقة وكيف تعاملوا معها.

الساجات «شواهد القبور»

ومن الأمثلة المهمة والجميلة هي الساجات، أو شواهد القبور، فهي تجمع في أثر واحد بين نوع الحجر والفن والخط العربي والزخرفة واسم الرسام والنقاش، والتاريخ والمكان، نوع الحجر يخبرنا عن المادة، وطريقة ونوع الكتابة عن أسلوب الخط في زمن معين، والزخارف عن نوعها والذوق الفني، بينما يحفظ الاسم والتاريخ شيئاً من ذاكرة الإنسان والمكان، وهنا لا تعود الساجة مجرد شاهد على قبر، بل تصبح صفحة حجرية من تاريخ المنطقة.

الخشب

جذوع النخيل والسعف والجريد والليف والكرب، والكَندَل، والباسجيل والبارية، والمرابيع، والحصير، وغيرها من الأخشاب التي دخلت في العمارة، يمكن أن تخبرنا عن المواد التي عرفها الأستاذ البنّاء، وكيف وظفها في الأسقف والأبواب والدرايش، والعناصر المختلفة.

البارية والسمة

الحصير والبارية المرتبطة بالأسقف تذكّرنا بعلاقة العمارة بالنباتات والنخلة، ليس بوصفها شجرًا ونباتاتٍ فقط، وإنما مصدراً لمواد تدخل في تفاصيل الحياة والبناء والزراعة.

الجص.. قصة يجب أن تحكى

صناعته ولونه وملمسه وطريقة وضعه والزخارف المنفذة عليه تعطي صورة عن أسلوب البناء والحرفة في ذلك الزمن، ويمكننا أن نشير إلى الطبقة الخلفية للزخارف الجصية هناك بقايا حبوب وبذور أو قشور، فإنها تثير سؤالًا مهماً عن المواد التي كانت تدخل في إعداد العازل والخلطات وطرق استخدامها، وهنا لا ينبغي أن نستعجل التفسير، فالتفصيل يحتاج إلى فهم سياقه قبل أن نحوله إلى معلومة تاريخية.

الزخارف الجصية

الزخارف إضافة رئيسية ومهمة جميلة إلى المبنى، إنها تعكس ذوقاً فنياً، ومهارة يد، ووحدات وأشكالاً متنوعة من الخط العربي إلى الهندسية والنباتية، انتشرت وانتقلت وتطورت بين الحرفيين، وقد تكون الزخرفة الواحدة مفتاحاً لفهم جانب من تاريخ وجماليات الطراز في العمارة المحلية.

الأبواب.

الباب أيضاً يحمل حكايته، الغامضة والملهمة، كمصدر الخشب، نوع الخشب، وطريقة تجميعه، والمفصلات، والمسامير، والزخارف، وحجمه، والدهانات، والأيدي الماهرة التي صنعته ورسمته ونقشته، تفاصيل تقول لنا شيئاً عن الحرفة وعن طريقة استخدام البيت.

وموقع البيت يحمل ذاكرة!

من المهم أن نعرف ماذا بنى الناس! بل أين بنوه، وموقع البيت داخل الفريق ومساحته، وارتفاعه، وقربه من الخدمات كالخباز والدكاكين، والبراحة والسوق والمأتم والمسجد أو النخل أو البحر، يمكن أن يساعدنا على تخيل شكل المكان الذي عاش فيه الناس، وإذا عرفنا أن بيتاً أو مسجداً أو سوقاً كان موجوداً في موقع معين خلال فترة محددة، فإننا نمتلك شاهداً يساعدنا على قراءة تاريخ المكان وتغيراته! فالمكان نفسه جزء من الحكاية.

الصورة الضوئية وثيقة مهمة.

الصورة الفوتوغرافية القديمة «المخبأة في الأدراج»! قد تكون من أثمن ما بقي لنا من بعض الأماكن، صورة واحدة قد تحفظ باباً خشبياً اختفى، أو بيتاً هُدم، أو شارعاً تغير، أو زخرفة لم تعد موجودة! وقد تحفظ أشياء لم يكن المصور يقصد توثيقها: شكل الناس، والسيارات، والملابس، والأشجار، وأسماء المحلات، وطريقة الناس في استخدام المكان، ولهذا تصبح الصورة أكثر قيمة عندما نعرف متى التقطت! وأين، ومن الذي التقطها.

كيف نقرأ هذه الأشياء؟

ربما نحتاج فقط إلى أن نغيّر طريقة النظر،

بدل أن نقول: هذا بيت قديم.

نسأل: ماذا يخبرني هذا المبنى أو البيت؟

ما نوع الحجر؟

ما نوع الخشب؟

كيف بُني السقف؟

ما لون البيت؟

لماذا وضعت هذه الفتحة هنا؟

لماذا جاءت الزخرفة بهذا الشكل؟ وما اسمها؟

كيف أعد وصنع الجص؟

ما وظيفة الدهليز؟

ما اسم القوس؟

لماذا بُني البيت في هذا الموقع؟

وما الذي تغير منذ ذلك الوقت؟

عندها تتحول زيارة ومشاهدة المبنى من مجرد رؤية إلى قراءة.

لماذا يجب أن نحافظ عليه؟

لأن هدم البيت القديم لا يعني فقدان جدرانه فقط، قد نفقد معه تاريخًا، طريقة بناء، أو نوعاً من الخشب، أو زخرفة، أو دروازة، أو طريقة إعداد مادة، أو تفصيلاً لم يعد أحد يعرف كيف يصنعه! وقد تبقى الصورة، والصورة لا تحمل دائماً معالم وملمس الحجر ورائحة الخشب وتفاصيل الصنعة كما يحملها الأصل، لذلك فإن الحفاظ على العمارة التقليدية هو في جوهره حفاظ على الذاكرة، فالبيت التقليدي في القطيف يمكن أن يكون شاهداً على العمارة والحرفة والفن والبيئة والمجتمع في وقت واحد.

كيف ندون ما نراه؟

لا نحتاج دائماً إلى كتابة طويلة، أحياناً تكفي صورة جيدة، ومعلومة دقيقة، ووصف للمكان، واسم المادة، وتاريخ تقريبي، ورواية من شخص عاش في المكان، المهم ألا نترك التفاصيل تمر أمامنا دون تسجيل، فما يبدو اليوم عادياً قد يصبح غداً معلومة نادرة.

في النهاية

ربما اعتدنا أن نبحث عن التاريخ في الكتب والوثائق الورقية، وعند كبار السن، والمؤرخين، بينما يوجد جزء منه حولنا، في بيوتنا القديمة وأبوابنا وزخارفنا وحجارتنا، وأسقفنا.

العمارة التقليدية صحيح مبان ٍ قديمة بالدرجة الأولى، ولكن هي ذاكرة مادية يمكن قراءتها ثانياً، وكلما اقتربنا منها بعين أكثر انتباهاً، اكتشفنا أن الحجر يتكلم، والخشب يحكي، والزخرفة تروي، والمكان يحتفظ بما لا تستطيع الكلمات دائماً حفظه! ولهذا، قبل أن نقول عن بيت قديم:

«إنه مجرد بناء قديم متهالك»

ربما علينا أن نسأل أولًا:

ماذا لو كان هذا البيت وثيقة تاريخية لم نقرأها بعد؟