الموتى لا يُعدون بالأرقام
بدأتُ بحثي بسؤال بدا في ظاهره إحصائيا بسيطا: كم طفلا وشابا رحل عن هذه الدنيا، في وطننا العربي، منذ مطلع شهر أغسطس حتى السادس من سبتمبر 2026؟
كنت أظن أنني أبحث عن رقم، ولم أكن أعلم أنني أفتح أبوابا كثيرة للحزن، وأن كل خبر سأقرؤه سيقودني، من حيث لا أشعر، إلى الباب نفسه الذي خرج منه ابني يوسف ولم يعد.
أخذت أتتبع ما نشرته الصحف والمواقع الإخبارية في مختلف الدول العربية. وكلما ظننت أنني اقتربت من نهاية البحث، ظهر اسم جديد، ووجه جديد، وبيت آخر أطفأ الموت أحد مصابيحه. أدركت عندئذ أن الموت لا يمكن أن يُحصر في جدول، وأن الأرواح لا تقبل أن تُختصر في حاصل جمع، فما يبدو للباحث رقما، هو عند أهله حياة كاملة، وذاكرة لا تنتهي، وفراغ لا يملؤه أحد.
في الجزائر، كان الطفل أيوب، ابن السنوات العشر، عائدا إلى منزله حين انهار به لوح خشبي كان يغطي بئرا ارتوازية عميقة. سقط في جوف الأرض، وبقيت الجزائر أربعة أيام معلقة بين الرجاء والخوف. حفرت فرق الإنقاذ بئرا موازية، وشقت طريقها بين الصخور، وظلت القلوب تترقب لحظة خروجه حيا، لكن البئر أعادته إلى أهله جسدا ساكنا. لم يعد أيوب طفلا جزائريا فحسب، لقد صار ابنا لكل أب وقف أمام الخبر عاجزا، يتمنى لو استطاع أن يمد يده ثمانين مترا تحت الأرض وينتشله. وحين أُعلن العثور على جثمانه، لم يغلق بئر واحد في الجزائر فقط، بل انفتح في قلوب الناس بئر عميق من الحزن.
وفي البحرين رحل أطفال في حوادث متفرقة خلال أسابيع قليلة. طفل تُرك داخل مركبة مغلقة تحت وطأة الحر، وثلاثة صغار أكلت النار أحلامهم داخل بيت كان يفترض أن يكون مأواهم الآمن، ثم رحل طفل في الرابعة عشرة إثر حادث دراجة كهربائية، وتبعه سلمان، ابن الخامسة عشرة، في حادث مروري آخر. ستة أطفال، أي ستة أسرة خالية، وست حقائب مدرسية لن يحملها أصحابها، وستة أصوات كانت تملأ البيوت ثم انطفأت فجأة. وخلف كل طفل منهم أم تتلمس ثيابه، وأب يعيد تفاصيل الساعات الأخيرة، ويسأل نفسه أسئلة يعرف أنه لن يجد لها جوابا يشفي قلبه.
وفي الجزائر أيضا، دخل أربعة أطفال إلى الماء بحثا عن لحظة لعب، فخرجوا منه محمولين على أكتاف الرجال. وفي اليمن غرق شقيقان معا، ورحل طفلان آخران تحت عجلات مركبة. وفي سوريا قضى طفلان في حادث سير، بينما ظل أطفال آخرون أسرى أخبار الحرب والقصف والألغام. وفي لبنان سقطت رافعة محملة بالرمال على طفل كان يساعد أقاربه في أعمال البناء، فدفنت تحتها طفولته وما بقي له من أحلام.
وفي مصر وُجد أطفال في مياه النيل والبحر والمسابح والسيارات المغلقة، كأن الطرق والمياه والجدران تواطأت جميعها على قطف براعم لم يحن أوان رحيلها. وفي المغرب سقط طفل من شرفة شاهقة، وفي ليبيا أخذ البحر أطفالا خرجوا إليه يحملون براءة العمر ولا يعرفون أن الموج قد يخفي في أعماقه موعدا أخيرا. وكلما أضفت اسما إلى قائمة البحث، شعرت أنني لا أكتب رقما، بل أطرق باب أسرة مفجوعة. خلف كل اسم أم ما زالت تحتفظ بملابس صغيرها، وأب ينظر إلى سريره ويتساءل: كيف استطاع هذا المكان الصغير أن يحمل كل ذلك الفراغ؟
وفي مدينتي صفوى لم تكن الأخبار بعيدة عن قلبي، فقد رحلت الشابة جنى الكاظم، وتركت في بيتها وبين أهلها غيابا لا تملؤه الكلمات. وقبلها دخل اسم ابني في قوائم الراحلين: هنا لم أعد باحثا يتتبع الأخبار، بل صرت أبا يبحث بين السطور عن ابنه. منذ رحيله، أصبحت أفهم أخبار الفقد بطريقة مختلفة. كنت في السابق أقرأ: «وفاة طفل»، فأحزن وأدعو له ثم أنتقل إلى الخبر التالي. أما اليوم، فأنا أعرف ما وراء هاتين الكلمتين. أعرف أن وفاة طفل تعني أن أما ستفتح خزانته ثم تغلقها باكية، وأن أبا سيبحث في هاتفه عن تسجيل صوتي قصير ليستمع إليه عشرات المرات. تعني أن البيت سيواصل حياته ناقصا، وأن المناسبات ستأتي وفي صدرها مقعد فارغ، وأن الزمن سيمضي بينما يظل قلب الوالدين واقفا عند اللحظة الأخيرة.
أعرف أن الأب قد يبدو أمام الناس ثابتا محتسبا، لكنه حين يخلو بنفسه يتبدل حاله. يحدث صورة ابنه، ويستعيد ضحكته، ويشم ملابسه، ويمرر يده على سريره كأنه يبحث عن شيء من دفء الجسد الذي غاب. ثم يرفع عينيه إلى السماء، وقلبه مكسور، ولا يجد ما يستند إليه سوى قوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ . سورة البقرة - الآيات 156-157
ومع أن فقد الولد يهدم في داخل الأب بناء لا يراه الناس، فإن كلمات النبي صل الله عليه وآله وسلم وأهل البيت
تفتح في جدار الحزن نافذة يطل منها الرجاء. فهم لم ينكروا لوعة الوالدين، ولم يطلبوا من القلب أن يتجرد من حزنه، بل جعلوا للصبر على فقد الولد منزلة عظيمة، وبشروا الأبوين بأن ابنهما الذي سبقهما إلى الآخرة لن يكون غائبا عنهما إلى الأبد، بل شفيعا ينتظر لقاءهما عند أبواب الرحمة. فقد رُوي أن الإمام زين العابدين علي بن الحسين
سمع إنسانا يذم الولد ويقول: «بئس الشيء الولد، إن عاش كدّني، وإن مات هدّني»، فأنكر الإمام قوله وقال: «كذب والله، نِعْمَ الشيء الولد، إن عاش فدعاء حاضر، وإن مات فشفيع سابق».
ما أعظم هذا التعبير: شفيع سابق. فالولد الراحل، في منطق أهل البيت
، لم يضع ولم ينته، وإنما سبق أبويه إلى الدار الباقية، سبقهم إلى موضع لا مرض فيه، ولا حادث، ولا ألم، ولا فراق. أصبح ينتظرهما هناك كما كان ينتظر عودتهما في الدنيا. ورُوي عن النبي محمد ﷺ أنه قال: «الولد كبد المؤمن إن مات صار شفيعا، وإن مات بعده يستغفر الله له فيغفر له». فالابن ليس شيئا خارج الإنسان حتى يكون رحيله خسارة عابرة، إنه قطعة من كبده وروحه. ولذلك كان ألم فقده شديدا، وكان الأجر الموعود لأبويه الصابرين عظيما بمقدار ما احتملاه من وجع، وما كتماه من أنين، وما ردّداه في أشد ساعات الانكسار: رضينا بقضاء الله، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
وجاء في الروايات أن الطفل يقف عند باب الجنة، فإذا قيل له: ادخل، أبى أن يدخل حتى يدخل أبواه قبله. وفي هذه الرواية صورة تهز قلب كل أب مفجوع، فالطفل الذي كانت يداه الصغيرتان تتشبثان بيدي والديه في الدنيا، يقف في الآخرة متشبثا برحمة الله، لا يريد نعيم الجنة من دونهما. كأنه يقول: يا رب، كما لم يتركني أبي وأمي وحدي في الدنيا، لا أريد أن أدخل الجنة قبلهما.
وحين وقفت على هذه الكلمات، صرت أنظر إلى رحيل يوسف بعين أخرى. ما زلت أبكيه، وما زال غيابه يوجعني في كل يوم، لكنني أقول لنفسي: لعل يوسف لم يتركني، بل سبقني. لعله يقف الآن في رحاب الله، جميلا كما عرفته، هادئا كما كان، ينتظر أباه وأمه وإخوته، ويدعو لنا كما ندعو له. يوسف الذي كنت أمسك بيده صغيرا كي لا يتعثر في الطريق، أرجو أن يكون هو من يمسك بيدي يوم تتعثر قدماي على طريق الآخرة. ويوسف الذي كنت أخشى عليه من ألم الدنيا، أصبح اليوم، بإذن الله، في جوار من لا تضيع عنده الودائع، شفيعا سابقا وذخرا باقيا لأبويه.
إن الصبر الذي تحدثت عنه الروايات لا يعني ألا نبكي أبناءنا، فالبكاء رحمة، والدمعة لغة قلب لم تعد الكلمات قادرة على التعبير عنه. وليس الصبر أن يموت الحنين في صدورنا، بل أن يبقى القلب موجوعا من غير أن يفقد ثقته بالله، أن تفيض العين، ويضطرب الفؤاد، لكن اللسان لا يقول إلا ما يرضي الله سبحانه وتعالى. الصبر أن نحمل أسماء أبنائنا في الدعاء، وأن نحول الحزن عليهم إلى صدقة، وعلم نافع، وعمل صالح، وأثر يبقى بعدهم. وهو أن يقول الأب، وإن اختنق صوته بالبكاء: يا رب، لقد أحببت ولدي، وأنت أرحم به مني، فاجعله في كنف رحمتك، واحفظه لي حتى ألقاه. وهكذا لا يكون الأب الصابر رجلا لم يهزمه الفقد، وإنما هو رجل هُزم قلبه ثم احتمى بالله. يبكي حين يخلو إلى نفسه، ويقبل صورة ابنه، ثم يمسح دموعه ويقول: يا رب، كانت وديعتك بين يدي، وقد رددتها إليك راضيا بحكمك، فاحفظها لي عندك، واجعلها نورا ينتظرني على باب الجنة. وأنا حين أقول إنني صابر، لا أعني أنني لم أنكسر، لقد انكسر في داخلي شيء لن تعيده الأيام كما كان. لكنني أحاول أن أجعل من هذا الانكسار نافذة يدخل منها نور الرضا. أحاول أن أؤمن بأن يوسف انتقل من رحمة أب محدودة إلى رحمة رب لا حدود لها، وأن عيني التي فقدته في الدنيا ستراه، بإذن الله في دار البقاء.
أثناء بحثي، كنت أراجع الأرقام مرة بعد أخرى. بدأت بقائمة محدودة، ثم ظهر أطفال البحرين، ثم أيوب، ثم جنى، ثم أسماء من مصر واليمن وسوريا ولبنان وليبيا والمغرب. وكل تصحيح كان يعلمني أن ما خفي أعظم، فهناك أطفال وشباب رحلوا ولم تكتب عنهم الصحف، ولم تصل أسماؤهم إلى محركات البحث، ولم تتحول مآسيهم إلى أخبار متداولة. هناك من مات بمرض، ومن رحل فجأة، ومن غرق، ومن اختنق، ومن احترق، ومن دهسته مركبة، ومن قتلته الحرب، ومن نام ليلته الأخيرة من غير أن يدري أنه لن يرى الصباح. تختلف الأسباب، لكن المشهد الأخير واحد: أهل يقفون أمام قدر الله بقلوب منكسرة، ولا يجدون ما يتكئون عليه سوى قولهم: «الحمد لله رب العالمين، وإنا لله وإنا إليه راجعون».
لقد علمني هذا البحث أن الإحصاءات، مهما بلغت دقتها، عاجزة عن وصف الفقد. قد نقول إن عشرات الأطفال والشباب رحلوا خلال سبعة وثلاثين يوما، لكن الرقم لا يخبرنا كم قبلة بقيت معلقة على جباههم، ولا كم حلما دُفن معهم، ولا كم مرة استيقظت أمهاتهم ليلا ونادين أسماءهم قبل أن يتذكرن الحقيقة. الرقم لا يخبرنا عن أب مثلي، ما زال يرى يوسف في كل فتى يمر أمامه، ويسمع صوته بين أصوات إخوته، ويتخيل أنه سيفتح الباب في أية لحظة ويقول كعادته: لقد عدت.
خرجت من هذا البحث بلا رقم نهائي، لكنني خرجت بيقين أشد رسوخا: أن كل طفل راحل هو عالم كامل انطفأ في عين أهله، وأن كل شاب غادر مبكرا ترك وراءه عمرا ناقصا في قلب والديه. لهذا لا أريد أن تكون هذه الأسماء مجرد مادة للحزن، بل رسالة إلى كل أب وأم، اعيد تكرارها بصوت مثقل بالحزن والألم: ضمّوا أبناءكم إلى صدوركم ما استطعتم، وأخبروهم أنكم تحبونهم، واستمعوا إلى أحاديثهم الصغيرة، وصوّروا أيامهم الجميلة، واصنعوا معهم من الذكريات ما يبقى شاهدا على المحبة.
أما أنا، فسأظل أذكر يوسف، لا بوصفه خبرا عن لاعب مبارزة رحل في السادسة عشرة، بل بوصفه ابني، وثمرة عمري، وقرة عيني، ورفيق أيامي. سأحمله في دعائي وصلاتي، وسأهديه ثواب الفاتحة والصلاة على محمد وآل محمد ما بقي في القلب نبض. وسيظل اسمه حيا في كل عمل خير يقام من أجله، وفي كل طفل يتعلم، وكل شاب يكتشف موهبته، وكل كلمة جميلة تترك أثرا في الناس. وهذا ما داعني إلى افتتاح نادي لتعلم الخطابة والإلقاء كصدقة جارية له باسم «نادي نهج البلاغة للخطابة والإلقاء» بتصريح رسمي من منصة هاوي. راجيا من الله سبحانه أن يعني على تحقيق أهدافه وتخريج جيل قادر على التحدث بما يرضي الله، إن شاء الله.
وأرجو أن يكون يوسف لي ولأمه وأخوته وكل محبيه شفيعا سابقا، وأن يكون صبرنا على فراقه وعلى ضعفه وكثرة دموعه، طريقا إلى لقائه. وأرجو أن يأتي اليوم الذي أراه فيه مقبلا نحوي، لا على سرير مستشفى، ولا في مشهد وداع، بل في دار السلام، يمد يده إلي ويقول: تأخرت يا أبي، وقد طال انتظاري لك. عندها فقط يهدأ هذا القلب، وتنتهي وحشة الفراق، وأدرك أن الساعات والأيام التي قضيتها مشتاقا إليه لم تكن إلا طريقا طويلا إلى حضن لا يعقبه وداع.
رحم الله ابني يوسف، رحم الله أيوب، وجنى، وأطفال البحرين، وجميع الأطفال والشباب الذين رحلوا في تلك الأيام. ورحم الله من أهدى لهم ثواب سورة الفاتحة المباركة وإلى أرواح المؤمنين والمؤمنات.
لقد بدأت رحلتي باحثا عن عدد الراحلين، وانتهيت أبا يقرأ في كل اسم قصة ابنه. وعرفت أخيرا أن الموتى لا يُعدون بالأرقام، بل بمقدار الفراغ الذي يتركونه في القلوب. «إنا لله وإنا إليه راجعون»















