من يسترقون السمع

إن استراق السمع أو التنصت هو سلوك يتجاوز حدود الخصوصية الشخصية، ويترتب عليه الكثير من الأضرار النفسية، وهو من العادات المستقبحة والكريهة التي تخلق الفتن بين أفراد المجتمع، وتفرّق شمله وتخلق العداوات والبغضاء، وتقطع العلاقات الأخوية والصداقات الودية بكل تفرعاتها، ويزداد الشقاق وعدم الثقة بين أبناء المجتمع الواحد، بل بين أبناء البيت الواحد، والسبب يعود إلى أولئك مسترقي السمع، الذين يتنصتون على خصوصيات مَن يعنيهم الأمر، ليكونوا عرضة للقيل والقال، ويصبحوا حديث الساعة عند المتصيدين في المياه العكرة.
والسبب يعود في كل ذلك إلى أصحاب النفوس المريضة، الذين جعلوا آذانهم أداة في نقل أسرار خاصة وحساسة، وتضخيمها وتحريفها إلى المتلقي، لحاجة في نفوسهم.
وكل هذه الأفعال المستهجنة تخلق وضعًا مأزومًا في العلاقات الإنسانية، بل تزيد الأمور تعقيدًا واضطرابًا، والأدهى من ذلك أنها جعلت من الباطل حقًا، ومن الحق باطلًا، لتتفاقم المشكلات وتزداد اشتعالًا، بصب الزيت على النار؛ لأن المتجسس لا يتحرى الدقة فيما يلتقطه من أجزاء مقطوعة من حديث لا يفهم سياقه الكامل.
وكل همه أن يعرف خلسةً ما يدور من أحداث في الكواليس، ليشعل الفتنة ويهيج المشاعر، لتتصادم النفوس في ردات فعلها، فيزيدها تباعدًا وتنافرًا، وقد تؤدي إلى ما لا تُحمد عقباه، بل قد تقود إلى الهاوية والسقوط على المستوى العائلي والاجتماعي والأخلاقي.
وينتج عن ذلك عواقب قانونية ودينية؛ فأما من الناحية القانونية، فإن تسجيل المحادثات أو التنصت عليها دون إذن جريمة يعاقب عليها القانون حسب الأنظمة المتبعة.
وأما من الناحية الدينية، فقد وقف الشرع الإسلامي بقوة ضد هذه العادات الذميمة والسلوكيات المدمرة، واعتبرها من المحرمات المغلظة، فضلًا عما يترتب على فاعلها من الوعيد والعقاب الإلهي والعقوبة الأخروية.
كما جاء في الحديث الشريف عن النبي محمد ﷺ، إذ قال:
«من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون، أو يفرون منه، صب في أذنه الآنك يوم القيامة».
والآنك هو الرصاص المذاب.
وعليه، فليتعظ هؤلاء المتنصتون المسترقون للسمع، وليكفوا عن أفعالهم المقيتة التي تسقطهم أدبيًا وأخلاقيًا واجتماعيًا، وليخافوا الله تعالى، فهو لهم بالمرصاد.
والله الموفق.














