حين يموت البخل مع الأب ويولد التبذير مع الابن

قد يبدو المشهد غريبًا: أبٌ قضى عمره يجمع المال، يقتّر على نفسه، ويحرم أسرته من كثير من احتياجاتها، بحجة أنّ المال لأبنائه وأنّه يريد تأمين مستقبلهم. ثم يموت الأب، فيرث الأبناء الثروة التي حُرموا منها سنوات طويلة، فينطلق بعضهم في إنفاقها بلا حساب، وكأنّهم ينتقمون من سنوات الحرمان!
وهنا يبرز سؤال مؤلم:
هل المشكلة كانت في المال، أم في الوعي؟
لا شك أنّ البخل آفة مذمومة، وقد حذّر القرآن الكريم من الإمساك المفرط، كما حذّر في الوقت نفسه من الإسراف والتبذير. يقول تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: 29].
إنها قاعدة قرآنية عظيمة: لا بخل ولا إسراف، وإنّما اعتدال.
فالمال الذي يملكه الإنسان ليس مجرد أرقام في حساب مصرفي، بل مسؤولية واختبار. وقد روي عن أمير المؤمنين الإمام علي
: ”القناعة مالٌ لا ينفد“. فالقيمة الحقيقية ليست في مقدار ما نملك، وإنّما في قدرتنا على استخدام ما نملك بحكمة.
هناك آباء يظنون أنّ حب الأبناء يعني جمع أكبر قدر ممكن من المال لهم. فيعملون ويجمعون ويدّخرون، حتى يصبح المال غاية لا وسيلة، وربّما عاش الأب حياته في حرمان شديد، بينما أبناؤه يرونه قادرًا على الإنفاق ولكنّه لا يفعل.
المشكلة هنا ليست في الادخار؛ فالادخار وعي وحكمة، وإنّما المشكلة حين يتحوّل الادخار إلى بخل، والخوف على المستقبل إلى حرمان للحاضر. يقول تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31].
فالإنفاق على النفس والأهل في حدود المعقول ليس تبذيرًا، كما أنّ توفير المال للمستقبل ليس خطأً. الخطأ أن يفقد الإنسان القدرة على التمييز بين الحاجة والرغبة، والاقتصاد والبخل، والكرم والإسراف.
والأب الواعي لا يورّث أبناءه المال فقط؛ بل يورّثهم ثقافة المال: كيف يكسبونه، وكيف ينفقونه، وكيف يدخرونه، وكيف يستثمرونه، ومتى يعطون، ومتى يقولون ”لا“.
وفي الجانب الآخر، هناك أبناء لم يتعلّموا قيمة المال لأنّهم لم يتعبوا في تحصيله. فيرون ما تركه الأب حقًا جاهزًا للإنفاق، فينفقون في أيام أو سنوات ما جمعه والدهم في عقود.
وهذا أيضًا غياب للوعي.
يقول الإمام الصادق
: ”لا خير في السرف، ولا سرف في الخير“؛ فليس كل إنفاق خيرًا لمجرد أنّه إنفاق، وليس كل امتناع عن الإنفاق حكمة.
أيها الابن، عندما ترث أموال أبيك، لا ترث أمواله فقط؛ بل ترث مسؤوليته. تذكّر أنّ وراء العقار الذي ورثته سنوات من العمل، ووراء الحساب البنكي قرارات وتضحيات، وربّما وراء كل مبلغ حكاية لا تعرفها.
وإذا كان والدك قد أخطأ عندما بالغ في جمع المال، فلا تجعل خطأه مبررًا لأن ترتكب خطأً معاكسًا وتبدد ما جمعه.
فبين هذا وذاك تكمن الحلقة المفقودة وهو الوعي.
لو امتلك الأب الوعي، لأنفق على نفسه وأهله دون إسراف، وادّخر دون بخل، وعلّم أبناءه قبل أن يترك لهم الثروة.
ولو امتلك الابن الوعي، لعرف أنّ الإرث ليس فرصة للترف، بل أمانة تحتاج إلى إدارة وحسن تصرف.
وهنا تكمن أهمية الوعي؛ فهو لا يحرم الإنسان من المال، ولا يدفعه إلى جمعه بجشع، وإنّما يسأله سؤالًا أكثر عمقًا:
ماذا تريد أن يفعل المال بك؟
وماذا تريد أنت أن تفعل بالمال؟
إنّ المال يمكن أن يبني إنسانًا، ويمكن أن يهدمه. يمكن أن يكون وسيلةً للراحة والعطاء وصلة الرحم، ويمكن أن يتحوّل إلى سبب للقطيعة والطمع والتنافس بين الإخوة. ولهذا فإنّ أعظم ما يمكن أن يفعله الأب لأبنائه ليس أن يترك لهم ملايين الريالات، وإنّما أن يترك لهم وعيًا يجعلهم يعرفون كيف يتعاملون مع الملايين.
فالثروة التي تأتي بلا تعب تحتاج إلى وعي أكبر من الثروة التي تأتي بعد كفاح؛ لأنّ مَنْ لم يتعلّم قيمة الشيء قد لا يعرف كيف يحافظ عليه.
في النهاية، ربّما علينا أن نعيد تعريف معنى ”التركة“، فالأب لا يترك لأبنائه عقارات وحسابات وأموالًا فقط؛ إنّه يترك فيهم شيئًا أخطر وأبقى: طريقة تفكيرهم في المال والحياة.
فإذا علّمهم أنّ المال يُجمع ولا يُستمتع به، فقد يورثهم البخل. وإذا حرمهم ثم ترك لهم ثروة بلا تربية، فقد يورثهم التبذير. أمّا إذا علّمهم أنّ المال نعمة ومسؤولية، وأنّ الاعتدال فضيلة، وأنّ الإنفاق في موضعه عبادة، والادخار في موضعه حكمة، فقد ترك لهم ثروة لا تنفد.
ولعل المأساة ليست أن يموت الأب ويترك الملايين، ثم ينفقها الأبناء؛ فهذه خسارة مال يمكن تعويضها. المأساة أن يموت الأب ولم يترك في أبنائه الوعي الذي يحفظ ما تركه لهم.
وقد يكون أجمل ما يلخص هذه الفكرة قول الله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: 77]. فلا تجعل الدنيا كلّ همك حتى تحرم نفسك وأهلك، ولا تجعلها غايةً حتى تنسى آخرتك.
أيّها الآباء: لا تورثوا أبناءكم المال فقط، بل أورثوهم الوعي.
وأيها الأبناء: لا تنظروا إلى ما ورثتموه كغنيمة، بل انظروا إليه كأمانة.
فكم من أبٍ ظنّ أنّه يحمي أبناءه حين حبس المال عنهم، فإذا به يحرمهم من الحياة. وكم من ابنٍ ظنّ أنّ المال الذي ورثه حرية مطلقة، فإذا به يبدد في سنوات ما جمعه أبوه في عمر كامل.
إنّ أجمل تركة ليست تلك التي تُقاس بعدد العقارات والأرصدة، وإنّما تلك التي يبقى أثرها في الأبناء بعد رحيل صاحبها:
قيمٌ تُهذّب، ووعيٌ يحفظ، ومالٌ يُنتفع به، وصدقةٌ تجري، وأبناءٌ يعرفون أنّ أعظم ما ورثوه من آبائهم ليس ما وضعوه في أيديهم، بل ما وضعوه في عقولهم وقلوبهم.
فالثروة الحقيقية ليست أن تترك لأبنائك مالًا كثيرًا، بل أن تترك لهم من الوعي ما يجعل المال الكثير لا يفسدهم.














