آخر تحديث: 10 / 9 / 2026م - 11:15 ص

حين كان للبيت أكثر من مكان

إسماعيل هجلس *

لو وضعنا بيتاً تقليدياً قديماً إلى جانب بيت معاصر وهي بيوتنا، وفي المساحة المعمارية نفسها، ثم طرحنا سؤالاً بسيطاً وبعيداً عن المقارنة:

كم مكاناً نستطيع أن نجلس فيه عند لبسنا للجوتي أو لدلاغ، أو عندما نستريح أو ننتظر أحد ما، أو نلتقي وبنروح نلعب كورة، أو نشرب فيه كأس شاي، أو نراقب منه السماء والطير، أو الطريق، أو نلعب؟

ربما ستأخذنا الذاكرة إلى بيتنا القديم! قبل أن تأخذنا العين إلى البيت الحديث، ففي البيت الحديث قد نلتقي في المجلس، أو صالة الطعام، أو المطبخ، وربما الحديقة.

لكن في بيت العود؟

كان يمكن أن نلتقي على أول درجة للبيت، وفي الحوي، والرواق، والعتبة بمدخل البيت، والدچة، وتحت النخلة والسدرة أو شجرة اللوز، وفي المجلس، والخلوة، وحتى قرب برچة الماء.

ماذا نلاحظ؟

لم تكن كثرة هذه الأماكن زوائد عشوائية، أو ترفاً معمارياً، ولم تكن مساحاتها كبيرة بالضرورة، لكنها كانت تمنح البيت تنوعاً في الراحة في الجلسة، والحركة، والضوء والظل والهواء، وفي درجة القرب والخصوصية.

كانت العتبة أكثر من مجرد مدخل للبيت، كانت مساحة انتقال بين الداخل والخارج، يقف عندها القادم، ويلعب عندها الأطفال، وقد يجلس عليها أحد أهل البيت في لحظة سريعة وقصيرة.

أما الدچة، وهي المرتفع على جانبي جدار البيت الخارجي بمحاذاة الطريق، فكانت مكاناً بسيطاً للجلوس والانتظار والحديث، وفي الوقت نفسه تصنع جزءً من الظل.

وكان الرواق ممراً مسقوفاً بين الغرف والحوي، يجمع بين الحركة والجلوس، ويتيح للإنسان انجاز اعماله والانتقال من مكان إلى آخر بعيداً عن حرارة الشمس.

أما الحوي، فلم يكن فراغاً متبقياً بين الغرف، بل كان قلب البيت ومركزه، تدخله الشمس والهواء، وتتحرك حوله الحياة اليومية.

وكانت البيوت تعرف أهمية مركز العين، أي أن بعض المواضع والفتحات كانت تتيح مجالًا للرؤية لمن هو داخل البيت، بحيث يرى القادم أو الضيف أو المار من الخارج، وتصل الرؤية أيضاً إلى الأطفال، دون أن يعني ذلك بالضرورة انكشاف البيت كله.

كانت الرؤية محسوبة كما كان الظل محسوباً،

ومن هنا تأتي قيمة تلك التفاصيل الصغيرة، فالمكان لم يكن يؤدي وظيفة واحدة فقط،

الدكة تجلس عليها وتصنع ظلًا، والرواق تمر فيه وتستريح، والعتبة تستقبل وتفصل، والحوي يضيء ويهوّي، والنافذة تفتح العين على الخارج وتستقبل الهواء.

حتى الأشجار كانت جزءً من العمارة.

كانت النخلة والسدرة «لكنار» أو اللوزة «القضب» من الأشجار التي حرص أهل واحة القطيف على وجودها متى ما سمحت مساحة البيت، لأنها تمنح الغذاء، والظل، وتلطّف المكان، وتضيف حياة إلى البيت، وتصبح في الوقت نفسه موضعاً للجلوس والحديث.

وكانت برچة الماء تؤدي أكثر من وظيفة، فهي مصدر للماء لبعض الاستخدامات اليومية، ومكان لغسيل المواعين، ومورد تأتي إليه الطيور، كما تساعد المياه في تلطيف البيت.

والأهم أن هذه الحلول لم تكن منفصلة عن مواد البناء الطبيعية، فالطين، والجص، والحجر، والخشب، وغيرها من المواد المحلية، كانت جزءً من منظومة متكاملة تتعامل مع المناخ بدل أن تعزله عن الإنسان، الجدار السميك، والفتحة، والظل، والشجرة، والماء، ومادة البناء، واتجاه الهواء والضوء، والتصاق البيوت! كلها كانت تعمل معاً.

لذلك لم يكن البيت القديم يحتاج إلى كثير من الأجهزة ليشعر الإنسان بالراحة، فقد كان جزء من الراحة يأتي من طريقة تصميم وبناء البيت نفسه، وكان الضوء الطبيعي حاضراً، لكنه لم يكن ضوءً مباشراً وقاسياً بالضرورة، يدخل من الفتحات ويصنع درجات مختلفة من الإضاءة والظل، والهواء يجد منافذه، فيتحرك داخل البيت، والظل لم يكن شيئاً نبحث عنه بعد اكتمال البناء، بل كان جزءً من صناعة العمارة منذ البداية.

وفي البيوت القريبة من النخيل والدوالي والبحر، كانوا جزءً من المشهد اليومي، كانت المسافة قصيرة وآمنة، ونرى النخلاوي والمزارع وصياد السمك، وهم يعودون محملين برزقهم من النخل والبحر، فنحن لا نشاهد منظراً فقط، بل نعيش علاقة يومية مع الإنسان والمكان.

منتدى اجتماعي يومي.

وفي الرواق كانت تصلنا سوالف الجدات والأمهات والجارات، وتحت الشجرة نجلس ونسولف، وعند المدخل نلعب، وفي الخلوة نهرب من قيظ الصيف، كل هذه الأماكن ربما تبدو لنا اليوم صغيرة وبسيطة، لكنها كانت تمنح البيت خيارات كثيرة للحياة.

جلسة سريعة لها مكان.

لقاء عائلي له مكان.

طفل يريد أن يلعب له مكان.

شخص يريد أن يستظل له مكان.

من يريد أن يرى الشارع له مكان.

ومن يريد أن يبتعد قليلاً ويأخذ هدوءه له مكان،

ولهذا ربما نحن لا نفتقد البيت القديم نفسه، بقدر ما نفتقد بعض التفاصيل المعمارية التي كانت تصنع الأنس والسكينة دون أن نشعر.

فالسؤال:

هل كان البيت القديم أفضل من البيت الحديث؟

بل: ماذا كان يعرفه البيت القديم، ونسيناه نحن في بيوتنا الحديثة؟ ربما لا نحتاج إلى إعادة الماضي كما كان، ولا إلى نسخ البيوت القديمة،

لكننا نستطيع أن نستعيد فكرته:

أن يكون للبيت أكثر من مكان للجلوس والاستراحة، وأكثر من طريقة للرؤية،

وأكثر من منفذ للهواء، وأكثر من مصدر للضوء،

وأن يكون للظل مكان في التصميم، وللشجرة حضور، وللماء وظيفة،

ولمواد البناء علاقة ببيئتنا.

فقد لا يكون أجمل بيت هو الأكثر فخامة،

بل ربما يكون البيت الذي يعرف أين يجلس الإنسان، ومتى يستظل، وماذا يرى، ومن أين يأتيه الضوء والهواء، وكيف يشعر بالستر والأمان والسكينة.