آخر تحديث: 10 / 9 / 2026م - 11:15 ص

في الكَبَد.. حكايةُ الإِنسان

فوزي آل غريب *


حياة الإنسان رحلة لا تمضي دائمًا كما خُطِّط لها، ولا تخلو طرقها من المنعطفات. فمنذ اللحظة التي يفتح فيها عينيه على العالم، تبدأ حكايته مع المكابدة؛ مع ما ينتظره، وما يثقله، وما يفقده، وما يسعى إلى بلوغه.

يأتي الإنسان إلى الحياة ضعيفًا، يحتاج إلى يد تحمله، وحضن يمنحه الأمان. ثم يكبر شيئًا فشيئًا، ليكتشف أن كثيرًا مما يريد لا يأتي بسهولة؛ عليه أن يتعلم، وأن يتعثر، وأن يعيد المحاولة، وأن يعرف، مع مرور الأيام، أن بعض الطرق لن تسير كما أراد، وأن بعض الأبواب لن تُفتح في الوقت الذي اختاره.

ولعل المفارقة أننا كثيرًا ما نتعامل مع المشقة وكأنها خلل طارئ في الحياة. فإذا مرض الإنسان قال: لماذا أنا؟ وإذا خسر سأل: لماذا حدث هذا؟ وإذا تأخر ما يرجوه، ظن أن الحياة أغلقت أبوابها في وجهه.

مع أن الإنسان لا يتعب دائمًا لأنه يسير في الطريق الخطأ؛ أحيانًا يتعب لأنه يسير فحسب.

فالنجاح يحتاج إلى صبر، والمحبة إلى احتمال، والأحلام قد تستغرق سنوات لا تشبه ما رسمناه لها. وحتى الأشياء التي نحبها تحمل معها نصيبًا من الخوف والتعب؛ نخاف على من نحب، ونقلق على ما نملك، ونخشى الغد وما قد يأخذه منا. وكأن الإنسان لا يعيش الأشياء وحدها، بل يعيش معها احتمال فقدانها.

نحن نريد الحياة كاملةً من دون شقاء، مع أن بعض ما يضيء فينا لم يولد إلا من عتمة ما مررنا به.

ولذلك، ليس كل ما يشقّ على الإنسان عدوًا له. بعض التجارب تأتي في صورة لا نحبها، ثم تمضي تاركةً فينا شيئًا لم نكن نملكه قبلها: فهمًا أعمق، أو بصيرةً أهدأ، أو رحمةً أكبر بالآخرين.

هناك أشياء لا ندرك قيمتها إلا بعد أن نفتقدها، وقوة لا نعرف أنها تسكننا إلا حين نُضطر إلى استخدامها. وربما لهذا لا تكمن قوة الإنسان في أنه لم ينكسر قط، بل في أنه عرف كيف يجمع نفسه بعد الانكسار، حتى وإن بقيت في داخله ندبة تذكّره بما مرّ به.

ومع ذلك، نقضي جزءًا كبيرًا من أعمارنا في انتظار اللحظة التي تنتهي فيها المتاعب؛ كأن هناك محطة أخيرة سنصل إليها ونقول عندها: الآن بدأت الحياة.

لكن الحياة لا تسير بهذه الصورة.

تنتهي مرحلة لتبدأ أخرى، ويهدأ قلق ليأتي غيره، ونغلق بابًا فنجد أنفسنا أمام باب لم يكن في حساباتنا. وما حسبناه نهاية قد يكون بداية، وما ظنناه خسارة قد يكشف لنا، بعد حين، وجهًا آخر لم نكن قادرين على رؤيته ونحن في قلب التجربة.

وهنا يضيء المعنى القرآني العميق:

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ [سورة البلد: 4]

كلمات قليلة، لكنها تضع الإنسان أمام حقيقة كبيرة: أن المكابدة ليست حادثًا استثنائيًا يطرأ على الحياة، وإنما هي جزء من طبيعة الرحلة الإنسانية؛ في السعي والانتظار، وفي الخوف والفقد، وفي المحاولة والتعثر ثم النهوض من جديد.

غير أن فهم هذه الحقيقة لا يعني الاستسلام للألم، ولا تحويل المعاناة إلى غاية، ولا الوقوف أمام الظروف بلا مقاومة. فبين القبول والاستسلام مسافة كبيرة؛ القبول أن تدرك أن في الحياة ما لا تستطيع تغييره، أما الاستسلام فهو أن تتخلى عما تستطيع فعله.

ومن هنا ربما يبدأ النضج الحقيقي: حين يتوقف الإنسان عن سؤال الأيام: لماذا أتعبتني؟ ويبدأ بسؤال نفسه: ماذا صنعت بي هذه الأيام؟

فبعض المتاعب توسّع في الإنسان مساحة الرحمة، وبعض الخيبات تمنحه بصيرة لم تكن لديه، وبعض الانتظارات تعلّمه أن الأشياء لا تأتي دائمًا عندما نريد، وأن تأخرها لا يعني بالضرورة ضياعها.

والإنسان، في نهاية الأمر، يمضي في الحياة حاملًا أحلامه وذكرياته وخساراته. يضحك وفي داخله شيء يتعب، ويواصل السير رغم أنه لا يعرف تمامًا ما ينتظره عند المنعطف القادم.

وربما تلك هي شجاعته التي لا يصفق لها أحد: أن يستيقظ كل صباح، وقد عرف شيئًا من قسوة الحياة، ثم يقرر أن يحاول من جديد.

وهكذا يصبح الكَبَد جزءًا من معنى الرحلة، لا نقيضًا لها. فليست قيمة الإنسان في أن يعيش بلا ألم، وإنما في ألا يسمح للألم بأن يسلبه إنسانيته؛ أن يخرج من خسارته أكثر فهمًا، ومن ضعفه أكثر تواضعًا، ومن تجربته أكثر رحمة بمن يخوضون معارك لا يعرف عنها شيئًا.

وفي خضمّ هذه المكابدة، يبقى للإيمان معناه الذي يطمئن القلب؛ فالمؤمن يعلم أن ما يمرّ به لا يخرج عن علم الله وتدبيره، وإن خفيت عنه الحكمة، وضاقت به الأسباب، وعجز عن فهم بعض ما أصابه. وليس عليه أن يجد تفسيرًا لكل ألم، أو أن يدرك الحكمة من كل ما مرّ به؛ فحسبه أن يثق بالله، ويوقن أن أمره كله بيده سبحانه.

ومن هذا اليقين، يمضي الإنسان آخذًا بالأسباب، باذلًا ما يستطيع، ساعيًا إلى تغيير ما يقدر عليه، ثم يسلّم لله ما تجاوز قدرته.

وهنا يتغير السؤال.

فبدلًا من أن يسأل الإنسان: كيف أعيش حياة بلا كَبَد؟

يصبح السؤال: كيف أمضي في حياة أعرف أن فيها كَبَدًا، من دون أن أفقد إنسانيتي، أو أملي، أو قدرتي على المحاولة؟

وربما تكون الإجابة في هذا التوازن الدقيق: أن نسعى دون أن نتوهم أننا نملك كل النتائج، وأن نصبر دون أن نجعل الصبر ذريعةً للعجز، وأن نرضى بما لا نستطيع تغييره دون أن نتخلى عما نستطيع إصلاحه، وأن نتوكل على الله بعد أن نبذل ما في وسعنا.

فالإنسان لا يملك اختيار كل ما يمر به، لكنه يملك كثيرًا مما يصنعه بما مرّ به. قد لا يستطيع أن يمنع الخسارة، لكنه يستطيع ألّا يجعلها نهاية الطريق؛ وقد لا يملك ردّ ما مضى، لكنه يملك أن يخرج منه أكثر فهمًا لنفسه، وأكثر رحمة بالآخرين، وأشد وعيًا بما يستحق أن يبقى في حياته.

وربما ليست الحكمة أن نصل يومًا إلى حياة بلا مشقة؛ فتلك حياة لم يُوعَد بها الإنسان. وإنما الحكمة أن نتعلّم كيف نمضي وسط ما لا نستطيع تغييره، وأن نغيّر ما نستطيع، وأن نأخذ بالأسباب دون أن نتوهم أننا نملك النتائج، ثم نترك لله ما تجاوز قدرتنا، واثقين بأن تدبيره أرحم من تدبيرنا لأنفسنا.

وحين يفهم الإنسان ذلك، يتغير معنى الكَبَد في داخله؛ فلا يعود يسأل متى تنتهي المشقة ليبدأ العيش، لأنه يدرك أن الحياة كانت تجري في أثناء ذلك كله: في السعي، وفي الانتظار، وفي الخسارة، وفي النهوض، وفي تلك المحاولات الصغيرة التي لم يرها أحد.

فنحن لا نعبر الحياة من دون أن تترك فينا أثرًا، كما أننا لا نعبر الكَبَد ونبقى الأشخاص أنفسهم.

شيءٌ منا يتغير في كل مرة نصبر فيها، وشيءٌ ينضج في كل مرة نفهم فيها ما لم نكن نفهمه، وشيءٌ يقترب من الله كلما أدركنا حدود قدرتنا، وأن وراء سعينا تدبيرًا أكبر من حساباتنا.

ولعل الحكمة، في نهاية الطريق، ليست أن نقول إن الحياة كانت سهلة، ولا أن نزعم أن كل ألم فهمنا حكمته؛ بل أن ننظر إلى ما عبرناه، فنجد أننا، رغم كل شيء، لم نفقد قدرتنا على الإيمان، ولا على الرحمة، ولا على البدء من جديد.

فالكَبَد ليس كلَّ الحياة، لكنه جزءٌ من حقيقتها.

وربما لا تكون أعظم انتصارات الإنسان أن يصل إلى نهاية الطريق بلا جراح، بل أن يصل بقلبٍ لم تُفسده الجراح، وبروحٍ لم يهزمها ما مرّ بها، وبثقةٍ في الله لم تُطفئها الأسئلة التي بقي بعضها بلا جواب.

فلسنا نختار دائمًا الطريق الذي نمشيه، لكننا نختار كيف نمضي فيه؛ وحين يمضي الإنسان مستعينًا بالله، متوكّلًا عليه، واثقًا بتدبيره، لا يعود الكَبَد نهاية الحكاية، بل يصبح جزءًا من رحلةٍ تعلّمه أن ما أثقله يومًا قد يزيده فهمًا، وأن ما عجز عن إدراك حكمته لا يخرج عن علم الله وتدبيره، وأن القلب إذا استند إلى الله استطاع أن يمضي، وإن ثَقُلَت الحياة.