آخر تحديث: 10 / 9 / 2026م - 11:15 ص

ماذا في الصندوق؟

سوزان آل حمود *


هناك صناديق لا ينبغي أن تُفتح…

ليس لأنها تحتوي على أشياء مخيفة، بل لأنها تحتوي على أشياء نعرف أنها ستغيّرنا.

صندوق قديم في زاوية منسية، قد لا يلفت انتباه أحد، لكنه بالنسبة لشخص واحد قد يكون أخطر من خزنة مليئة بالأسرار.

لماذا؟

لأن بداخله شيء لا يستطيع الزمن أن يدفنه. شيء انتظر سنوات طويلة أن تمتد إليه يدٌ شجاعة.

ربما رسالة. ربما صورة. ربما حلم. وربما…

حقيقة!

والحقيقة، مهما كانت بسيطة، تستطيع أن تقلب حياة كاملة رأسًا على عقب.

الغريب أننا لا نحتاج إلى صندوق خشبي حتى نخفي الأشياء. نحن نخزنها في أعماقنا.

نضع فيه أحلام طفولتنا، وأسئلة شبابنا، وخيباتنا، وانكساراتنا، والأشخاص الذين لم نستطع نسيانهم، والكلمات التي ابتلعناها حتى لا نخسر أحدًا.

نضع فيه أيضًا النسخة الحقيقية من أنفسنا. تلك النسخة التي لا يراها الناس.

نبتسم في الخارج، بينما في الداخل صندوق كامل من الأشياء المؤجلة.

نقول:

«لاحقًا».

ثم يأتي لاحقًا… فنقول:

«ليس الآن».

ثم يمضي العمر. وفجأة نكتشف أننا لم نكن نؤجل الأشياء…

كنا نؤجل أنفسنا.

ماذا لو كان الصندوق يحتوي على حلمك؟

تخيل أن تفتح صندوقك فتجد ورقة قديمة. خطك أنت. كلمات كتبتها قبل سنوات:

«عندما أكبر سأصبح…»

تتوقف. تقرأ. ثم تبتسم ابتسامة لا تعرف هل هي فرح أم وجع.

لأنك تذكرت. تذكرت الشخص الذي كنت تريد أن تكونه. تذكرت الطموح الذي كان يلمع في عينيك. تذكرت أنك كنت تؤمن أن العالم واسع، وأن المستحيل كلمة اخترعها الخائفون.

ثم كبرت. وكثرت المسؤوليات. وتغيرت الظروف. وتدخل الآخرون في قراراتك. وأقنعت نفسك بأن الأحلام الجميلة تليق بالصغار فقط.

لكن من قال ذلك؟

من أقنعنا بأن العمر له علاقة بالحلم؟ ومن وضع تاريخ انتهاء للطموح؟

الحلم لا يموت عندما نتأخر عنه. يموت عندما نتوقف عن الإيمان بأنه يستحق المحاولة.

وماذا لو وجدت خوفك؟

قد تفتح الصندوق فتجد شيئًا آخر. خوفًا قديمًا. خوفًا ظل يرافقك سنوات دون أن تلاحظه.

الخوف من الفشل. من الرفض. من كلام الناس. من البداية. من النهاية. من أن تخوض تجربة جديدة ثم تكتشف أنك لست كما توقعت.

فنحن أحيانًا لا نخشى أن نفشل… بل نخشى أن يرانا الآخرون ونحن نحاول.

وهذا من أكثر الأقفاص قسوة.

أن يصبح رأي الناس أقوى من صوتك الداخلي. أن تعيش وفق توقعاتهم، ثم تستيقظ يومًا لتكتشف أنك حققت الصورة التي أرادوها لك…

وخسرت الصورة التي أردتها لنفسك.

أخطر ما في الصندوق ليس ما بداخله

ربما هذه هي الحقيقة التي لا نحب الاعتراف بها.

الصندوق ليس مخيفًا. الخوف هو الذي أعطاه قيمته.

قد تفتح الغطاء ولا تجد شيئًا خارقًا. ستجد فقط ذكريات. صورًا. رسائل. أوراقًا. أشياء صغيرة.

لكنها ستفعل شيئًا أكبر من حجمها بكثير:

ستجعلك تواجه نفسك.

وهذه المواجهة هي أصعب معركة يمكن أن يخوضها الإنسان.

لأننا نستطيع الهرب من الآخرين. نستطيع تغيير المكان. نستطيع إغلاق الهاتف. نستطيع قطع العلاقات. نستطيع السفر بعيدًا.

لكن أين نهرب عندما يكون الخصم…

نحن؟

هناك أشياء لا تحتاج إلى نسيانها

نحن نعتقد أحيانًا أن القوة تعني أن ننسى. أن نمحو الماضي. أن نقول: «لا يهم».

لكن الماضي لا يختفي لأننا رفضنا النظر إليه. بل يتحول إلى شيء صامت يسكننا.

القوة ليست في أن تنكر ما حدث. القوة أن تنظر إليه وتقول:

«حدث… لكنه لن يحدد بقية حياتي».

أن تعترف بأنك تألمت، دون أن تجعل الألم هويتك. أن تعترف بأنك أخطأت، دون أن تجعل الخطأ سجنًا أبديًا. أن تعترف بأن شخصًا خذلك، دون أن تمنحه مفاتيح مستقبلك.

فليس كل ما في الصندوق يجب أن نحمله معنا. بعض الأشياء نفتحها فقط لكي نعرف أننا نستطيع تركها.

وربما كان في الصندوق شخص آخر!

ربما تفتح الصندوق فتجد صورة قديمة. صورة لك. لكنها لا تشبهك.

وجه صغير. عينان واسعتان. أحلام كثيرة. وثقة لا تعرف معنى الخذلان بعد.

تحدق في الصورة. وفجأة تدرك أنك قضيت سنوات طويلة تحاول أن تصبح شخصًا يرضى عنه العالم…

ونسيت الشخص الذي كان ينتظر منك أن تحميه.

أنتَ القديم.

ذلك الطفل الذي لم يكن يطلب منك بيتًا فخمًا ولا منصبًا ولا ثروة. كان يريد فقط أن تكبر دون أن تخذله.

أن تبقى وفيًا للحلم. أن تكون شجاعًا. أن تقول الحقيقة. أن تختار نفسك حين يصبح اختيارها ضرورة.

اللحظة التي ينكسر فيها القفل

فكل تغيير حقيقي يبدأ بلحظة. ليست بالضرورة لحظة عظيمة.

قد تكون في سيارة. في غرفة هادئة. أمام المرآة. بعد مكالمة هاتفية. بعد خسارة. بعد نجاح.

أو حتى في منتصف ليلة لا يعرف فيها أحد أنك كنت تخوض معركة كاملة مع نفسك.

وفي تلك اللحظة تقول:

كفى.

كفى تأجيلًا. كفى خوفًا. كفى انتظارًا للموافقة. كفى بحثًا عن اللحظة المثالية.

ثم تمد يدك إلى القفل. وتفتحه.

ليس لأنك تعرف ماذا يوجد بالداخل… بل لأنك أدركت أن الجهل بما يمكن أن تصبح عليه أخطر من الخوف من التجربة.

ماذا وجدنا في النهاية؟

فتح الصندوق. لم يكن بداخله ذهبٌ، ولا مجوهرات، ولا سرٌّ يهز العالم.

كان هناك دفتر صغير. فتح الصفحة الأولى. قرأ جملة واحدة:

«إذا وجدت هذا الدفتر، فهذا يعني أنك أخيرًا أصبحت مستعدًا».

توقف. قلب الصفحة. ثم الثانية. ثم الثالثة.

وفي كل صفحة كانت هناك أشياء نسيها:

حلم. وعد. موهبة. رسالة. اعتذار. قرار.

ثم في الصفحة الأخيرة وجد سؤالًا واحدًا:

«ماذا ستفعل الآن؟»

هنا فهم.

الصندوق لم يكن رسالة من الماضي. كان اختبارًا للمستقبل.

لم يكن يريد منه أن يبكي على ما ضاع. كان يطلب منه أن يقرر…

ما الذي لن يسمح له بالضياع بعد اليوم.

نصيحتي إليك:

افتح صندوقك قبل أن يفتحه الزمن

كل إنسان لديه صندوق. قد لا يكون خشبيًا.

قد يكون في ذاكرته. في قلبه. في هاتفه القديم. في درج مكتبه. في صورة يحتفظ بها رغم أنه لا يعرف لماذا. أو في حلم لا تزال ترفض الاعتراف بأنه مات.

والسؤال سيبقى:

ماذا في الصندوق؟

لكنني أعتقد أن السؤال الأهم ليس هذا.

السؤال هو:

ماذا فعل بك إبقاؤه مغلقًا؟

كم حلمًا تأخر؟ كم فرصة مرت؟ كم كلمة بقيت حبيسة؟ كم مرة قلت «غدًا» حتى أصبح الغد سنوات؟

لا تنتظر أن يأتي يوم مثالي. لن يأتي.

ولا تنتظر أن يختفي الخوف. لن يختفي تمامًا.

ولا تنتظر أن يصفق الجميع لخطوتك. لن يفعلوا.

افتح الصندوق.

افتحه وأنت خائف. افتحه وأنت متردد. افتحه بيد ترتجف وقلب لا يعرف ما ينتظره.

فربما ستجد شيئًا كنت تخشاه. وربما ستجد شيئًا فقدته. وربما ستجد شيئًا كنت تبحث عنه طوال حياتك.

وربما ستجد نفسك.

وفي النهاية

لا أخشى على الإنسان من الأشياء التي يخفيها في صندوقه.

أخشى عليه من أن يعيش عمره كله بجوار الصندوق… ثم يرحل دون أن يعرف ماذا كان بداخله.

لذلك، إذا كان لديك صندوق لم تفتحه منذ سنوات…

افتحه.

فبعض الصناديق لا تخفي الماضي، إنها تخبئ المستقبل.