آخر تحديث: 11 / 9 / 2026م - 12:08 م

نحو تمثيل مهني أكثر فاعلية للأطباء

دكتورة لمياء عبدالمحسن البراهيم * صحيفة اليوم

في كل منظومة صحية متقدمة، لا يكفي أن نعرف من ينظم المهنة، ومن يرخص لها، ومن يدرب، ومن يوظف؛ بل من المهم أيضًا أن نسأل سؤالًا مختلفًا: كيف يمكن تعزيز حضور صوت الممارس عندما تُناقش الموضوعات المرتبطة بمستقبله المهني؟

يكتسب هذا السؤال أهمية خاصة في مرحلة التحول الصحي التي تعيد تشكيل الأدوار والعلاقات ونماذج التشغيل والمسارات المهنية. والطبيب هنا ليس مجرد مقدم للخدمة، بل شريك أساسي في تطوير المنظومة الصحية، وأي تحول مستدام يحتاج إلى آليات مؤسسية تستمع إلى من يعمل في الميدان، باعتباره شريكًا في التطوير وصناعة المستقبل.

ولعل الأطباء مثال واضح على ذلك. فشؤون الطبيب تختلف في طبيعتها عن شؤون التمريض والصيدلة والتخصصات الصحية الأخرى، رغم أن الجميع يعمل داخل المنظومة نفسها. ولكل مهنة مسارها في التعليم والتدريب والتصنيف والترخيص والتخصص والممارسة والمسؤولية المهنية وسوق العمل؛ ولذلك فإن وجود قنوات تمثيلية متخصصة يمكن أن يسهم في التعبير بصورة أدق عن احتياجات كل مهنة وتطلعاتها.

تبدأ رحلة الطبيب قبل التخرج بسنوات، ثم تتسع بعدها مجموعة من الخيارات المهنية: أين فرص التدريب؟ وما التخصصات المتاحة؟ وهل تتناسب المقاعد التدريبية مع أعداد الخريجين واحتياجات سوق العمل؟ وكيف يمكن دعم الطبيب في المراحل الأولى من مسيرته؟ وأين تتاح فرص ممارسة الطب العام؟ وكيف يمكن مواءمة التخطيط الوظيفي مع أعداد الخريجين واحتياجات القطاع الصحي؟

ثم تتواصل الرحلة مع موضوعات ساعات العمل، وبيئة الممارسة، والتطوير المهني، والمسؤولية الطبية، والاستقرار الوظيفي، والتوازن المهني، والتدرج القيادي، وصولًا إلى المراحل المتقدمة من المسار الوظيفي.

هذه الموضوعات تتوزع بطبيعتها بين جهات متعددة، ولكل جهة اختصاصها ومسؤوليتها النظامية. وهنا تبرز أهمية وجود قناة مؤسسية تنقل صوت المهنة وتساهم في إيصال رؤى الأطباء واحتياجاتهم بصورة منظمة.

فالجهة التي تنظم أو ترخص أو تدرب أو توظف تؤدي وظيفة مختلفة عن الجهة التي تستطلع آراء الأطباء، وترصد احتياجاتهم، وتجمع البيانات المتعلقة بهم، وتدرس أثر السياسات المهنية عليهم، ثم تقدم توصيات مبنية على المعرفة والخبرة الميدانية.

في بريطانيا، تعمل «الجمعية الطبية البريطانية» -British Medical Association - BMA- كهيئة مهنية وتمثيلية للأطباء، ولديها هياكل تمثيل بحسب طبيعة الممارسة، إضافة إلى لجان محلية تنقل آراء الأطباء وتناقش ظروف العمل والسياسات المهنية.

وفي الولايات المتحدة، تضطلع الجمعية الطبية الأمريكية -American Medical Association - AMA- بدور في تمثيل الأطباء، والمشاركة في دراسة السياسات الصحية والمهنية، وتقديم البيانات والمقترحات التي تسهم في إثراء النقاش حول مستقبل المهنة، بالتعاون مع الجمعيات الطبية والتخصصية.

وبالتأكيد، لا يعني ذلك استنساخ أي نموذج خارجي؛ فالأنظمة القانونية وأسواق العمل والثقافات المؤسسية تختلف من دولة إلى أخرى. لكن هذه التجارب تطرح مبدأ يستحق الدراسة: «وجود صوت مهني منظم يتمتع بمساحة واضحة للتعبير عن آراء الممارسين يمكن أن يضيف قيمة إلى المنظومة، ويعزز جودة الحوار حول مستقبل المهنة.»

ويمكن دراسة نموذج سعودي يتناسب مع أنظمتنا ومرحلة التحول التي نعيشها، ويعزز التمثيل المهني للأطباء، مع مراعاة تنوع المناطق والتخصصات والمراحل المهنية، من الطبيب حديث التخرج إلى الاستشاري، ويمنح مختلف المراحل المهنية مساحة للمشاركة.

ويمكن لهذه الكيانات أن تكون «بيت خبرة للمهنة»؛ ترصد المؤشرات، وتجري الدراسات، وتستطلع آراء الأطباء، وتستشرف احتياجات القوى العاملة، وتتابع المتغيرات المهنية، وتقدم التوصيات التي يمكن أن تسهم في دعم التطوير وتحسين بيئة الممارسة.

استشارية طب أسرة
مستشار الجودة وسلامة المرضى
مستشار التخطيط والتميز المؤسسي
كاتبة رأي