آخر تحديث: 11 / 9 / 2026م - 11:05 م

مظلومية الشيعة

علي البحراني *


ما الذي نريد أن نقدم به أنفسنا إلى العالم ونحن نسمي أنفسنا قرابة نصف مليار شيعي، أصحابَ قهرٍ ومظلوميةٍ واضطهادٍ؟

أي صورة نرجو أن تستقر في وعي الإنسان الآخر حين نكثر من سرد الألم ونقلل من عرض الفعل؟

ليس السؤال هنا إن كانت المظلومية حقيقية أم متخيلة؛ فالتاريخ في أكثر صفحاته قسوة يشهد بأن الظلم حين يقع لا يستأذن الضحية ولا يحتاج إلى شهادة حسن سلوك ليكون ظلمًا، لكن السؤال الأعمق والأخطر: ماذا نفعل نحن بهذه المظلومية؟

هل نحولها إلى وعي أخلاقي منتج أم إلى هوية بكائية تعيد إنتاج العجز؟

لقد قال ”هيغل“ في جدليته الشهيرة إن الوعي لا يتشكل إلا بالصراع، لكن الصراع الذي لا يفضي إلى تجاوز يتحول إلى دوران في حلقة مغلقة، والمظلومية التي لا تتحول إلى مشروع تصبح عبئًا على أصحابها، لا سلاحًا أخلاقيًا في أيديهم.

حين نقدم أنفسنا للعالم بوصفنا «مقموعين»، فبماذا نكمل هذه الجملة؟

هل نقول: مقموعون لكننا فاعلون؟ مظلومون لكننا منتجون؟

مضطهدون لكننا بناة معرفة ورواد علم وأصحاب أثر إنساني؟

أم نقف عند الوصف ونتحول من ضحايا للظلم إلى أسرى له؟

إن التاريخ لا يكافئ من يعرض جراحه فقط، بل من يحول الجرح إلى معنى.

فنيتشه، على قسوته الفكرية، كان صريحًا حين حذّر من «أخلاق الضغينة»، تلك التي تجعل الألم مبررًا للعجز، لا دافعًا لتجاوز الذات، فالضحية التي تقيم في ألمها طويلًا تبدأ لا شعوريًا بالدفاع عنه لأنه صار تعريفها الوحيد.

وليس من الحكمة ولا من الإنصاف أن تُختزل تجربة اليهود التاريخية في معادلة تبسيطية تقول إن «ادعاء المظلومية» وحده أوصلهم إلى مراكز التأثير، فالفارق الجوهري لم يكن في سردية الألم فقط، بل في تحويل الذاكرة إلى عمل والهوية إلى مؤسسة، والمعاناة إلى تخطيط طويل النفس.

هنا تحديدًا يكمن الدرس، لا في التقليد ولا في الغيرة التاريخية، بل في فهم آلية الفعل وتقديم الهوية؛ إذ كيف تقدم هويتك: قوةً وفاعليةً أم جلدًا للذات واستجداءً للتعاطف؟

”حنة آرندت“ في تأملاتها حول الشر والسلطة لم ترَ أن المأساة تعفي الجماعات من مسؤولية الفعل الأخلاقي، بل رأت أن الامتحان الحقيقي يبدأ بعد المأساة، لا عند وقوعها؛ فالعالم لا يقيسك بكم تألمت، بل بمدى ما أضفت إلى الإنسانية بعد ألمك، واليابان، بعد دكّها بالنووي وبكائها سنةً كاملةً، نهضت وفكرت: كيف أحمي يابانيتي من الدك مرةً أخرى؟

فماذا نفعل نحن حين ندّعي المظلومية؟

هل ننتج معرفة؟

هل نبني اقتصادًا؟

هل نصدّر فنًا وفكرًا وأخلاقًا عمليةً تُقنع العالم دون خطابات؟

أم نكتفي بإعادة تدوير خطاب المظلومية حتى يتحول إلى عذرٍ نفسيٍّ جماعيٍّ لتبرير التخلف والانقسام وفشل الجماعة وغياب المشروع؟

لقد قال علي بن أبي طالب ، وهو أكثر من عُرف بالعدل في الوجدان الشيعي:

«لا تكن عبدَ غيرك وقد جعلك الله حرًّا».

والعبودية هنا ليست سياسيةً فقط، بل ذهنيةً؛ عبوديةً للشكوى، ولتفسير الذات دائمًا بوصفها ضحيةً تبكي وتؤلم ذاتها، لا فاعلًا مدركًا للواقع وتحدياته.

إن المظلومية حين لا تصاحبها كفاءة تتحول إلى ضجيج.

وحين لا تُدعَم بأخلاق العمل تصبح استجداءً أخلاقيًا، لا احترامًا إنسانيًا.

العالم لا يتآمر على الضعفاء بقدر ما يتجاهل غير المؤثرين.

لسنا مطالبين بأن نتخلى عن ذاكرتنا ولا أن نبيّض صفحات الظلم، لكننا مطالبون أخلاقيًا وتاريخيًا أن نغادر مرحلة التفسير إلى مرحلة التأسيس ومن منطق «ماذا فُعل بنا؟» إلى سؤال «ماذا سنفعل نحن؟»

فإما أن نقدم أنفسنا للعالم بوصفنا جماعةَ جراحٍ ناطقةٍ، أو جماعةَ وعيٍ ناضجٍ حوّلت الألم إلى قيمة، والمظلومية إلى مسؤولية، والتاريخ إلى أفق مفتوح، لا إلى قبر نسكنه.