رحلة التحرر من الأنا إلى الله تعالى «10»
من دفاعية الأنا إلى تحرير الواهم

تسير المعارف في المفهوم الإنساني بالفرد نحو أحد اتجاهين يسلّمهما، ويختلفان في النتائج المترتبة عليهما تمامًا؛ ولذا يمكننا أن نقول إن المعرفة سلاح ذو حدين، يمكن لأحدهما أن يكون قبس نور يأخذ بصاحبه نحو استكشاف الحقائق والمفاهيم والأحداث، فيقف على أرض صلبة من فهم الواقع وكيفية أداء الدور الوظيفي المناط به في طريق التكامل والإنجاز، وإما أن يبعد صاحبه لمسافات عن الفائدة المرجوة فيتحول إلى مجرد أداة لتبرير أفكاره وخطواته من أجل الدفاع عنها.
فالمعرفة إما أن تكون معراجًا يرتقي بالأنا نحو الحقيقة وفهمها وإدراك أبعادها، ومن ثَمَّ السير وفقًا لتلك المعطيات المتحصلة؛ حيث تكون نور هدى له في الأنفاق المظلمة لدروب الحياة وتعقيدات المشاهد فيها، وإما أن تكون تلك النفس المجهولة في محركات السوء والأهواء في طريقها تتجه بصاحبها نحو تضخم الذات ولبس رداء التكبر والغرور، فتضيع في اتجاه إثبات الوجود السلبي وطلب الثناء والتصفيق من الآخرين.
وحينئذٍ تصاب بالنكسة والخيبة وتلجأ إلى المعارف التي تمتلكها، فتحولها إلى أداة دفاعية تشيد الأسوار المنيعة حول النفس البشرية المتضمنة للأوهام وسيطرة الهوى عليه، فيرى في الاعتراف بالأخطاء وأوجه التقصير سهامًا تسقطه أرضًا وعليه أن يصدها ويشتت قوتها عنه، وذلك من خلال تسويق الأعذار الوهمية لتبرير ما ارتكبه وصد أي نقد يوجه إليه.
وفي الرؤية القرآنية نظرة للهوى بأنه ليس مجرد انحراف ناشئ من اتباع الشهوات وإشباع الغرائز المتفلتة، بل هو منظومة إدراك غير واقعية ”زائفة“ تنسج معالمها النفس المنقادة للأهواء، فتعيد صياغة رؤية الإنسان للواقع من حوله بعين الباطل والسوء؛ حيث تنقسم الأمور عنده لا بنحو الحقيقة المتحصلة بالأدلة أو الفقاعات الناشئة من الوهم أو نسبة الخطأ أو الاشتباه، بل تكون الأمور عند مفترق طرق ينشأ من غروره والأنا المتضخمة عنده، فيرى الصدق والمصداقية لما يلبي غروره وتكبره، وأما الباطل والزيف فهو ما يخالف ذلك.
وهنا يمكننا الوقوف على مفهوم صلاح العقل وصلاحيته في إدراك الحقائق والكشف عن أبعادها، وذلك من خلال السير خلف المجهول منها بما يمتلكه من معطيات دون أن يصدر الأحكام المسبقة؛ إذ يمتلك الشجاعة الفكرية على تبديد الأوهام من خلال التركيز على الدليل الذي يكشف الحقيقة والأخطاء.
وأما التحشد خلف القناعات المسبقة وتسويقها كأدلة زائفة وعدم تقبل النتائج المخالفة لها، فلن تسلك بالإنسان إلا نحو الظلام الحالك والمسافات البعيدة للضياع والتشتت؛ فالجوهر الحقيقي للمنهج المعرفي هو تلك الروح النقدية والتصحيحية لما يصل إليه من حقائق، وهذا ما يجعل الحوار الناجح مرحلة مهمة في طرح وجهات النظر والتصورات، والسير معها نحو الحقائق، ومسارًا كشفيًّا لإقامة البراهين وإظهار الحقائق، وليس إثبات وجهة النظر والإصرار عليها، وسجالاً للغلبة ومجرد استعراض للبيان والمقاتلة دون إسقاطها.














