صلاة الخاشعين

هناك فرق شاسع بين أن نؤدي الصلاة وأن ندخل في الصلاة. قد يقف الإنسان بين يدي الله، ويرفع يديه، ويقرأ ويركع ويسجد ويسلم، وقد استوفت صلاته صورتها الظاهرة، لكن قلبه كان طوال تلك الدقائق في مكان آخر. الجسد في المسجد، والعقل في العمل، والقلب مشغول بالناس، والذاكرة تستعيد أحداث الأمس، والخيال يركض نحو الغد. وحين تنتهي الصلاة قد لا يتذكر المصلي ماذا قرأ، ولا كم ركعة ركع، ولا ماذا اعتمر في قلبه وهو يقول: «إياك نعبد وإياك نستعين». هنا تبدأ المشكلة، صلاة تتحول بالتكرار من لقاء واع بالله إلى سلسلة من الحركات والكلمات يؤديها الإنسان بذاكرته لا بحضوره.
المصلي ليس بالضرورة يمارس نفاقا ولا يهدف لخداع الله أو الناس، ولا أن عبادته بلا قيمة. المسألة أدق من ذلك؛ إذ إن المصلي أَلِفَ الصلاة بلا روح حتى كاد يفقد سحر المناجاة بخالقه. الإنسان يملك قدرة عجيبة على تحويل الأفعال المتكررة إلى عادات شبه تلقائية، هذا ما يسمح له بقيادة السيارة في طريق مألوف بينما ذهنه منشغل بأمر آخر. لكن هذه النعمة نفسها قد تتحول إلى نقمة حين تدخل إلى أكثر لحظات الإنسان قداسة. الصلاة التي يفترض أن توقظ الوعي قد تُؤدّى هي نفسها في حالة من الغياب، حتى يصبح اللسان أسرع من القلب، والحركة أسبق من المعنى، ويصبح المصلي قادرا على إتمام الصلاة بينما جزء كبير من وعيه لم يكن فيها أصلا.
نحن نعيش في زمن تدرّبنا فيه على الانتقال السريع من شيء إلى آخر.. رسالة، خبر، مقطع، اتصال، موعد، إشعار، مهمة جديدة. لقد اعتاد العقل الإثارة والتبدل المستمر، فأصبح السكون ثقيلا عليه. عندما يدخل الصلاة يجد نفسه فجأة أمام دقائق لا هاتف فيها، ولا محادثة، ولا صور متحركة، ولا أحداث متلاحقة. هنا يظهر مقدار ما أصاب قدرتنا على السكون من ضعف. لهذا فإن بعضنا لا يستعجل الصلاة لأن لديه أمرا مهما، ولكن لأنه لم يعد يعرف كيف يبقى ساكنا أمام الله.
نكرر في صلاتنا ألفاظا عظيمة، لكنها للأسف فقدت وقعها في كثير من النفوس. نقول: الله أكبر، لكن دون أن نتوقف لحظة أمام معناها. نتمتم: الله أكبر، لكننا مأخوذون بأمور الدنيا**.** نعيد تكرار: الله أكبر، إلا أن المشكلة التي نفكر فيها أثناء الصلاة تحتل مساحة في قلوبنا أكبر من حضور الله وعظمته**.** نقول: الحمد لله رب العالمين، فهل يستحضر القلب نعمة واحدة تستحق الحمد؟ نكمل: إياك نعبد وإياك نستعين، وهي من أعظم عهود العبودية، بينما يمر اللسان عليها كما يمر على أي عبارة محفوظة. ليست القضية إذن أننا لا نعرف ألفاظ الصلاة، بقدر ما أننا حفظناها إلى درجة أن أصبح اللسان قادرًا على الوصول إلى نهايتها دون أن ينتظر المشاركة القلبية.
لهذا لم يجعل القرآن الكريم الصلاة مجرد حركات، وإنما ربطها بالذكر فقال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14]. فالغاية ليست أن يتحرك الجسد فحسب، وإنما أن يستيقظ الإنسان من غفلته. في موضع آخر يقول تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 1-2]. الخشوع هنا يعيد ترتيب مفهوم الصلاة، فالجسد مجرد وسيلة، والكلمات أبواب، والقبلة اتجاه، لكن المقصد أن يصل الإنسان بقلبه إلى من وقف بين يديه. من أجمل التعبيرات القرآنية عن الصلاة قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: 45]. وكأن ثقل الصلاة يخف كلما ازداد القلب طمأنينة وسكينة.
من الخطأ أن نتصور أن الخشوع يبدأ مع تكبيرة الإحرام. الإنسان يحمل إلى صلاته نظامه الذي عاش به ساعات قبل أن يبدأ. فمن قضى يومه في ضجيج متواصل، وانتقال سريع بين الهاتف والعمل والأخبار والمحادثات، ثم وقف فجأة وقال: «الله أكبر»، لا يستطيع أن يأمر عقله بأن يتحول في ثانية واحدة من الفوضى إلى السكينة. نحن نحصد في الصلاة شيئا مما زرعناه خارجها. لذلك فإن إصلاح الصلاة لا يبدأ من سجادة الصلاة، وإنما من إصلاح إيقاع الحياة. من هنا نفهم لماذا أصبحت الصلاة مرآة شديدة الصدق لحياتنا الداخلية. فإذا كنا عاجزين عن البقاء دقائق معدودة مع الله دون أن تخطفنا عشرات الأفكار، فربما المشكلة ليست في الصلاة، ولكن في عقل فقد قدرته على الحضور.
أكثر الأخطاء إحباطًا أن يتوقع الإنسان صلاة بلا شرود واحد. الذهن بطبيعته يتنقل، والمطلوب ليس أن يخوض مع نفسه حربًا داخل الصلاة. فكلما اكتشفت أنك شردت، عد بهدوء، دون أن تدخل في محاكمة مع نفسك. ربما تكون كل عودة من الشرود إلى الله تمرينًا على العبودية. الخشوع ليس بالضرورة حالة كاملة تهبط علينا دفعة واحدة، إنها قدرة على الانتباه نربّي أنفسنا عليها.
عندما نصل إلى هذه المرحلة من الحضور القلبي والذهني تتغير وظيفة الصلاة. فنحن لا نعود نصلي لكي ننتهي من فريضة، ولكن لكي نعود من خلالها إلى أنفسنا. نحن نقيم الصلاة ونعلم أننا لا نؤديها هروبًا من الشعور بالذنب، وإنما عودة إلى الله الذي يقول: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]. أما الطمأنينة هنا فهي لا تعني اختفاء المشاكل، وإنما أن يستعيد القلب مركزه بعدما بعثرته الحياة.














