آخر تحديث: 13 / 9 / 2026م - 2:27 ص

من الإعلان إلى التوظيف

الدكتور ماهر آل سيف *


أكثر ما أتعب الباحث عن العمل في سنوات مضت أن يرى الإعلان فيتفاءل، ويُرسل السيرة فيتأمل، ثم ينتظر فلا يدري: أقُبل أم رُفض؟ أُغلقت الوظيفة أم ما زالت؟ وهل قُرئت سيرته أصلًا أم ضاعت في زحام الملفات؟ فتكثر الإعلانات، وتتزاحم الطلبات، ويبقى المتقدم بين رجاءٍ لا ينتهي، وانتظارٍ لا يجدي؛ يسمع الجعجعة، ولا يرى الطحين.

ولهذا جاءت ضوابط وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية للإعلان عن الشواغر الوظيفية وإجراء المقابلات خطوةً مهمة في طريق أكثر تنظيمًا، وأوضح إجراءً، وأحفظ لوقت الإنسان وكرامته.

وللدقة القانونية، فالضوابط لا تقول إن كل من أرسل طلبًا للوظيفة يجب الرد عليه خلال ثلاثين يومًا؛ وإنما ألزمت المنشأة بإبلاغ من أُجريت معه مقابلة وظيفية بنتيجتها بوسيلة إبلاغ رسمية خلال مدة أقصاها ثلاثون يومًا من تاريخ المقابلة، وإذا لم يجتز المقابلة فيتم توضيح أسباب عدم الاجتياز له. وهذه نقطة مهمة تزيد القرار قوةً، لأن المتقدم الذي وصل إلى مرحلة المقابلة لم يعد مجرد اسم في قاعدة بيانات، بل بذل وقتًا وجهدًا واستعدادًا، ومن حقه أن يعرف نهاية الطريق.

والضوابط أوسع من ذلك؛ فهي تشترط أن يكون الإعلان عن الشاغر عبر المنصات الرقمية المعتمدة أو الموقع الرسمي للمنشأة أو حساباتها الرسمية، وأن يتضمن نبذة عن المنشأة، ووصفًا واضحًا للشاغر، ومتطلبات التقديم، والمؤهل والمهارات والخبرة المطلوبة، وطبيعة العمل وساعاته ومزاياه، إضافة إلى تحديد تاريخ فتح الإعلان وإغلاقه، وأن يكون استقبال الطلبات إلكترونيًا. كما تمنع الإعلانات والمقابلات القائمة على أشكال من التمييز غير المرتبط بمتطلبات الوظيفة.

بل إن نظام العمل نفسه يذهب إلى ما هو أبعد في بناء قاعدة معلومات سوق العمل؛ فالمادة الخامسة والعشرون تلزم صاحب العمل بإرسال بيانات إلى الوزارة عن الأعمال الشاغرة والمستحدثة وأنواعها ومواقعها وأجورها وشروط شغلها خلال مدة محددة، إضافة إلى بيانات عن العاملين والوظائف والمهن وغيرها من المعلومات التنظيمية. وهذا يعني أن فكرة الانتقال إلى رقابة رقمية أشمل ليست غريبة عن روح النظام، بل يمكن النظر إليها بوصفها امتدادًا تقنيًا لمنظومة قائمة أصلًا.

وهنا تبدأ - في رأيي - الخطوة الثانية التي تستحق الدراسة.

ماذا لو أنشئت، أو طُورت ضمن المنصات الحكومية القائمة، لوحة وطنية لشفافية التوظيف، لا تتدخل في حق الشركة في اختيار الأكفأ، ولا تكشف معلومات الأشخاص، ولا تضع المنشآت في موضع اتهام؛ بل تقدم بيانات مؤسسية دقيقة ومحمية؟

فتظهر - وفق ضوابط تراعي الخصوصية والمنافسة التجارية - معلومات مثل: حجم المنشأة، وعدد العاملين فيها، ومؤشرات التوطين المسموح بنشرها، وعدد الوظائف التي أعلنتها خلال العام، وعدد المقاعد الوظيفية في تلك الإعلانات، وعدد الطلبات المطابقة للشروط الأساسية، وعدد من انتقلوا للمقابلة، ثم عدد الوظائف التي أُغلقت بالتعيين.

عندها ننتقل من عدّ الإعلانات إلى قياس النتائج، ومن كثرة المنشورات إلى جودة المخرجات، ومن الانطباع إلى الرقم، ومن القول إلى الفعل.

فالهدف ليس أن نقول للشركة: لماذا لم توظف فلانًا؟ فقرار الاختيار من صميم الإدارة، والكفاءة هي الميزان. وإنما السؤال الإداري المشروع هو: هل الوظيفة المعلنة وظيفة حقيقية؟ وهل انتهت عملية التوظيف؟ وهل تمت الإجراءات التي أعلن عنها؟

وبذلك نحمي كذلك الشركات الجادة؛ لأن المنصة لن تكون عصًا للعقاب، بل شهادة للمصداقية. الشركة التي تعلن عشر وظائف وتغلقها بإجراءات واضحة وتوظف منها بالفعل ستكون أكثر ثقة في أعين الباحثين عن العمل من شركة تتكرر إعلاناتها سنوات ولا يُعرف مصيرها. والسمعة الوظيفية اليوم جزء من السمعة التجارية؛ فمن يحترم المتقدم قبل أن يصبح موظفًا، يغرس الثقة قبل أن يوقّع العقد.

والفكرة ليست بلا نظائر دولية. ففي سنغافورة يرتبط نظام MyCareersFuture بمنظومة حكومية أكثر رقابة على بعض عمليات الاستقدام والتوظيف؛ إذ يتعين في حالات محددة الإعلان عن الوظيفة في المنصة لمدة لا تقل عن 14 يومًا، مع مطابقة الوظيفة والراتب والعدد المعلن مع طلبات تصاريح العمل، وتستخدم وزارة القوى العاملة البيانات والتحليلات لرصد ممارسات قد تشير إلى أن الإعلان كان شكليًا أو أن مرشحًا جرى اختياره مسبقًا. بل أعلنت الوزارة أنها اتخذت إجراءات بحق منشآت ثبتت لديها ممارسات من هذا النوع.

وفي الولايات المتحدة توجد تجربة مختلفة وليست مطابقة؛ إذ تجمع لجنة تكافؤ فرص العمل EEOC بيانات سنوية إلزامية عن القوى العاملة من فئات معينة من أصحاب العمل، وتستخدمها في التحليل والرقابة، وتنشر بيانات مجمعة للعامة مع المحافظة على سرية بيانات المنشآت والأفراد. وهي تجربة مهمة في الجمع بين شفافية السوق وحماية الخصوصية.

أما المملكة فقد قطعت أصلًا شوطًا مهمًا في هذا الاتجاه، وأكدت سياستها الوطنية لتشجيع تكافؤ الفرص والمساواة في المعاملة أهمية الحوكمة والمتابعة والتقييم المستمر بما يعزز الاستقرار والتوازن في سوق العمل ويدعم مستهدفات رؤية المملكة 2030.

ومن هنا فإن الحديث عن منصة أكثر شفافية ليس حديثًا ضد وافد، ولا انتقاصًا من شركة، ولا تصويرًا سلبيًا لسوق العمل؛ بل حديث عن سوق أكثر نضجًا لكل من يعمل فيه: صاحب العمل يجد الكفاءة، والباحث يعرف مصير طلبه، والوزارة ترى الصورة ببياناتها، والمستثمر يقرأ سوقًا أكثر وضوحًا، والاقتصاد يكسب من جودة المطابقة بين الإنسان والمكان.

لقد كانت خطوة الثلاثين يومًا جميلة؛ لأنها أنهت جزءًا من صمت ما بعد المقابلة.

ونأمل أن يأتي بعدها ما هو أجمل: أن نعرف مصير الإعلان نفسه.

فالتحول الرقمي الحقيقي ليس أن ننقل الورقة إلى الشاشة، بل أن ننقل الإجراء إلى الحوكمة، والبيانات إلى المعرفة، والإعلان إلى نتيجة، والوعود إلى مؤشرات قابلة للقياس.

وحينها لن يكون السؤال: كم وظيفة أُعلن عنها؟

بل السؤال الأهم:

كم إعلانًا انتهى بوظيفة، وكم انتظارًا انتهى بإجابة، وكم فرصة تحولت من خبرٍ نقرأه… إلى باب رزقٍ يُفتح؟