سنة الحياة.. هل هي خلاف أم اختلاف؟

قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود: 118] المتتبع في هذه الأيام لأحوال كثير من الناس يجد الاختلافات كثيرة بين أفراد المجتمع، وعلى جميع المستويات من عوائل، وأسر، وأفراد، وأماكن عمل، وفي جميع العلاقات، الوالدين، والأخوة، والأزواج، والأبناء، حتى وصلت الأمور من اختلافات إلى خلافات؟
وفي سيرة «النبي الأكرم ﷺ» وجدنا كم عانى من هذه المسألة، وهي «مسألة الاختلاف»، طوال «23 سنة» منذ بداية دعوته وحتى آخر حياته، خاصة عندما كان المجتمع يتمسك بعادات جاهلية يرفض معها التغيير؛ لأن دعوته كانت تخالف عاداتهم وأهواءهم.
ومنها مسألة «عبادة الأصنام، ووأد البنات، والعبودية»، هذا على سبيل المثال، ومشاكل أخرى في المجتمع الجاهلي.
قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: 59]، أي: ليس إلى الأهواء والنزوات الشخصية؛ لتصل الأمور بعدها إلى العداوات، حيث لا تكاد تخلو الآن أسرة واحدة من مسألة الخلاف بين عدد من أفرادها، وكذلك المجتمع، وحتى أقرب الناس بعضهم إلى بعض كالوالدين والأبناء لم يسلموا منه من خلال تعايشهم بعضهم مع بعض؟
ويقول الإمام علي
: «إياكم والخلاف فإنه مروق»، حيث يحذر الإمام من هذه الظاهرة، ورغم خطورة المسألة ونتائجها المدمرة على الوضع النفسي والجسدي والصحي للناس جميعًا، إلا أن الحالة نراها في تزايد مستمر، وتنامٍ دون إدراك من الغالبية لأبعادها وخطورة نتائجها، إلا أننا نرى عدم السعي لإيجاد الحلول.
ولقد سنَّ لنا سبحانه في كتابه، وفي عدد من آياته، ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2]، عن الاختلاف في هذه الحياة طريقًا صحيحًا، «وليس الخلاف والقطيعة والخصومة» المنتشرة في هذه الأيام، رغم أن الاختلاف من سنن الحياة نظرًا لأن الناس لا تسير على طريقة واحدة ونمط واحد، فقد يكون الاختلاف رحمة لنا لا ندركها الآن، كما تقول الآية: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 216].
ويُعد وجود اختلاف بين الناس من طبيعة الحياة نظرًا للتباين في العقول، والأفكار، والآراء، والمستويات العلمية، ولذلك فهي قد تعد من أهم الأسباب التي تساهم في نشأة التطور والتقدم في مختلف دول العالم إن نظرنا إليها من زاوية أخرى.
فمن الناس من يرى في الاختلاف رحمة، ونعمة يمكن الاستفادة منها مع طرح عدد من الأفكار المتعددة والمتنوعة المفيدة للفرد والمجتمع بمؤسساته، وهو ما تعيش عليه أغلب دول العالم الآن، ففكرة الاختلاف فكرة صحية وليست عقيمة.
ولكن على مستوى خاص، هل ينبغي أن يكون بين الوالدين والإخوة والأخوات خلاف وهجر وقطيعة؟
لأن منهم من يرى فيها العكس تمامًا: خلافًا، وخصومةً، وعداوةً، وإقصاءً، وتراها في كثير من مجتمعاتنا، وهؤلاء هم أصحاب مدرسة الرأي الواحد المعتمدين على أفكار معينة، وتهميش بقية الآراء والتجارب والخبرات لدى الآخرين.
وقد رأينا في حكمة الله تعالى كيف يختلف البشر، وهم من خلقه، في أديانهم وألوانهم وأفكارهم، ومع ذلك، فإن الله يرزقهم ويعطيهم رغم كفرهم به تعالى، وله في ذلك حكمة لا تدركها العقول البشرية.
كذلك لو تنبهنا قليلًا، هناك دول ومجتمعات منفتحة تقبل رأي الآخرين، والاختلاف معهم، وتتواصل معهم لإنجاح جميع مؤسساتها، ولكن هناك مجتمعات لا ترى ذلك أبدًا، فهذه تعتبر منغلقة لا ترى التطور أو الانفتاح، ولا تستمع إلى الآراء المغايرة لآرائهم، إلا آراءهم، فيعيشون في عزلة رغم الثورة العلمية في العالم الآن وفي أعلى المستويات.
وخير دليل على ذلك تكرُّس بعض الأفكار الخاطئة من العادات والتقاليد في مجتمعات معينة، كالجهل والتعصب والتشدد، وانتهاء نفس هذه العادات في مجتمعات أخرى بعدما تم تقييمها، ثم تغييرها بسبب ما تحمل من سلبيات كبيرة. ومثال آخر على ذلك رفض فكرة التعليم سابقًا، وبعد ذلك تم تقبله بعد سنوات من الرفض والمحاربة؟
وعلى الرغم من الثورة المعلوماتية المنتشرة في جميع أنحاء العالم، ووصول هذه الثقافات حتى إلى غرف النوم لدينا، ولكن لا يزال البعض يرفض تقبل الطرف الآخر، بل تجده يختلف معهم على أبسط أمر من أمور الحياة، ومستعد للقطيعة والرفض له وللآخرين، ولو كان على حساب نفسه، ولو كان متضررًا منه؟
إذن، علينا أن نتخيل أننا نعيش بثقافة واحدة، ومستوى فكري واحد دون رأي أو مشاركة، فكيف ستكون حياتنا؟ أليست مملة؟
لذلك علينا أن نتقبل رأي الآخرين واختلافهم، وألا نجعل من ذلك الاختلاف وسوء الفهم عداوةً ثم قطيعةً كما نرى في هذه الأيام. فمهما يحصل من اختلاف، فلا يجب أن نعيش بقية أيام حياتنا في خلاف وصراع دائم.
والسلام خير ختام.














