ناداني باسم أخيه..

في لحظة من اللحظات ناداني صديق صغير في سنه باسم أخيه الكبير المتوفى. توقفت. لم أصحح له. وقفت أمام الكلمة كمن وقف أمام مرآة لم يتوقعها ولم يمشّط شعره قبلها. وبقيت أتساءل: هل ثقته بي ومحبته لي دفعاه لذلك؟ أم أن الكون أرسل لي رسالة مباشرة بأن أفكر فيما أتركه خلفي، قبل أن يُنادى باسمي بنفس الطريقة في يوم لا أعرف موعده ولا خطته للتقويم؟
أما الموت، فهو كائن محترم لا يحتاج إعلانات ولا مواعيد مسبقة. هو يتذكرنا هو، ونحن بدل ما نتذكره نتجاهله. قررنا بصمت جماعي مريح أن نحيا كأنه موعد يمكن تأجيله، وهو لا يعرف معنى التأجيل. يأتي دون اعتبار لجدولك أو اجتماعك الخميس أو إنك لسى ما خلصت أقساطك. ونبقى نحن من خلفه نتمنى لو أخبرنا بأشياء كثيرة تركها في صدره، ونتمنى لو كنا أخبرناه بأشياء كثيرة تركناها في صدورنا. وهذا درس يتكرر في كل مجتمع ولا يتعلمه أحد لأن الوقت دائماً يبدو وافراً حتى يثبت العكس.
لا نكتب وصايا. ليس لأنها صعبة، الوصية ورقة وقلم واتجاه واضح، لكن كتابتها تعني الاعتراف بأنك ستغيب، وهذا اعتراف لا يريده أحد خصوصاً صباح يوم الإثنين. فنؤجل. ونؤجل. حتى يصبح التأجيل هو القرار النهائي غير المقصود. والذين يتركون وصايا واضحة يريحون من يحبونهم من متاهة لا تُحتمل في يوم حزنه ثقيل أصلاً. لكننا نفضل راحتنا النفسية اليوم على راحة من نحبهم غداً، وهذا، بكل صدق، ضرب من ضروب الأنانية اللطيفة التي لا تشعر بنفسها.
ولا نقول لمن نحبهم ما يعنونه لنا. نحتفظ بكل شيء في صدورنا ظناً منا أنهم ”يعرفون أصلاً“. وربما يعرفون، لكن الفرق بين أن تعرف وأن تسمع كالفرق بين أن تقرأ عن البحر وأن تقف أمامه. ذاك الأب الذي لم نخبره كم أثّر فينا. وتلك الصديقة التي لم نقل لها يوماً ما تعنيه. وذاك المعلم الذي غيّر مساراتنا ولم نعد لنخبره لأنا كنا مشغولين في أشياء الله وحده يعلم هل كانت تستحق هذا الانشغال. نحفظ كل هذا في صدورنا ظناً منا أن الوقت لا يزال أمامنا، والوقت لا يسأل أحداً.
لكن اللحظة التي عاشها الطفل حين ناداني باسم أخيه علّمتني شيئاً أجمل من كل هذا: الأثر الحقيقي لا يُصنع بالمناصب ولا بالأموال ولا بمئة ألف متابع. يُصنع بالطريقة التي تكون بها موجوداً مع من حولك. الأخ الذي رحل لم يترك للطفل الصغير ذكرى خطاب أو صورة رسمية. ترك له شعوراً بالأمان جعله يبحث عنه في وجوه الآخرين. وهذا النوع من الإرث لا يُكتب في وصية ولا يُحسب في ميراث، يُعاش يوماً بيوم بالطريقة التي تختار بها أن تكون حاضراً.
الاستعداد للموت ليس تشاؤماً ولا جلوساً في الظلام نتأمل الفناء. هو ببساطة اكتب وصيتك لأن كتابتها تجعلك تفكر فيما يهمك فعلاً. وقل لمن تحبهم ما تشعر به لأن ”هو يعرف أصلاً“ ليست جملة، هي تأجيل آخر. ورتّب أمورك لأن من يعيش بوضوح يترك من خلفه راحة لا فوضى، وهدية لا يعرف قيمتها إلا من استقبلها.
والسؤال الذي لم يتركني منذ تلك اللحظة ليس ”متى سأموت؟“ هذا سؤال لا جدوى منه. بل ”حين أغيب، هل سيبحث أحد عني في وجه آخر؟“
إن كانت إجابتك نعم، فأنت تعيش صح. وإن لم تكن متأكداً، فلديك وقت. استخدمه.














