«فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ …».. فضفضة ثقافية

أن تسير على نهج أهل البيت
يعني أن تكون صورةً منهم بقدرك، والطريق إلى ذلك، قطعًا، هو العلم الذي يهندس الداخل فكرًا وعقيدةً؛ وبالتالي يجسد على صفحة الجسم تقوى، وربما ورعًا بقدر التزام «المتعلم على سبيل النجاة»، وأسسها معرفة نقاط الضعف والقوة بمجهر الأخلاق المحمدية. والترقي في سلم العروج يبتدئ بالفرد ويتوسع إلى ما حوله، حتى يصبح المكان متخذًا شرف العنوان من أهله، كما في الآية الشريفة: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [النور: 36]، فهل البيوت ليست إلا من طين وحجر - وأشباهها - وهي من الجمادات، ولكن ميزها من سكنوها وأحيوها بذكره، تبارك وتعالى، إلى أن أذن برفعها تعظيمًا. [1]
بيوت أهل البيت
هي المعنى الأكمل لتلك البيوت المذكورة في الآية، فهم أوصياء محمد، الذي هو سيد أولي العزم، وبالتالي، خلفاؤه في درجته، فهم يمثلونه في أمته، من أمير المؤمنين وسبطي النبوة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين إلى سيد الزمان عجل الله فرجه [2] .
كيف لا، وهذه البيوت «هي المراكز التي حصنت بأمر من الله، وأنها مركز لذكر الله ولبيان حقيقة الإسلام وتعاليم الله، ويضم هذا المعنى الواسع المساجد وبيوت الأنبياء والأولياء، خاصةً بيت النبي ﷺ وبيت علي
. ولا دليل يؤيد حصرها من قبل بعض المفسرين بالمساجد أو بيوت الأنبياء وأمثالها» «تفسير الأمثل».
لا يرقى أحد إلى مقام الأنبياء والأئمة، فمقام الاصطفاء الإلهي خصهم لعصمتهم وفضلهم على خلقه إنسًا وجنًا وملائكةً، ولكن هناك بيوتًا استطاعت أن تكون مهبطًا لأنفاس النبوة والإمامة بنور علومهم التي تجسدت نورًا فكريًا وإيمانًا انعقد في القلوب التي ترتع في رياض تزكية النفس والتواضع والكرم للضيوف، ومن البديهي أن ذلك تجسد سلوكًا يخطو على وقع الفقه المحمدي. ليست كل خطواتنا مطالبةً بأن تنتج مردودًا تبعًا لعصرنا المتخم بالمادية؛ فاستنشاق الهواء العليل من خلال زيارة تلك البيوت المباركة يعالج جفاف الروح وينير الفكر، فقد نقل أن أحد العلماء الأبرار ممن وهبهم الله من لطفه الروحي عالج حالة لدى أحدهم بتوصيته بالجلوس معه في مجالس العلم فقط [3] .
تلك جنات ورياض تشع لأهل السماء كما تشع النجوم لأهل الأرض، يقوم رجالها بالتقديم لمرتاديها، وحُقَّ للمرتاد أن يقدم جواهره ليحظى بالجلوس معهم، لكنه الخلق المحمدي الذي يتجسد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المجادلة: 12] ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المجادلة: 13]
قال تبارك وتعالى: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ [الأعراف: 46]
رُوي عن أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب
:
”الْحُكَمَاءُ أَشْرَفُ النَّاسِ أَنْفُسًا وَأَكْثَرُهُمْ صَبْرًا وَأَسْرَعُهُمْ عَفْوًا وَأَوْسَعُهُمْ أَخْلَاقًا.“
”الْفِكْرُ يُنِيرُ اللُّبَّ.“
”قِيمَةُ كُلِّ امْرِئٍ مَا يَعْلَمُ.“
”الْعَامِلُ بِالْعِلْمِ كَالسَّائِرِ عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ.“ «غرر الحكم ودرر الكلم»














