وطن…

قرأت عبارة.. ”حين صار صوتك وطنًا“.
توقفت عند ”وطنًا“ وتركت ما قبلها جانبًا.
فالكلمة أكبر من أن تمنح لكل شيء نحبه.
لو كان كل ما نأنس إليه وطنًا لصارت قهوتنا وطنًا والمقعد الذي نفضله وطنًا والهاتف الذي نفتقده عشر دقائق وطنًا وربما طالب بعضنا بمنح وسادته جواز سفر!
الوطن كلمة مكلفة ومن يحبها عليه ألا يوزعها مجانًا.
متى يستحق شيء فينا أن يكون وطنًا؟
حين يكون قلمك وطنًا عليه أن يعرف ماذا يفعل بعد أن يكتب.. هل يضيف إلى قارئه شيئًا؟ هل يرد فكرة مائلة؟ هل يحفظ كرامة من يختلف معه؟ وهل يغادر الورقة تاركًا أثرًا صالحًا للبقاء؟
وحين يكون عشقك وطنًا فامتحانه يبدأ حين يعرف كل طرف مواضع ضعف الآخر ويصبح قادرًا على جرحه بدقة ثم لا يفعل.
هناك تبدأ جنسية العشق.
ومن أحبك وحفظك في خصامك ولم يجعل أسرارك ذخيرة يستخدمها لاحقًا فقد أعطى للحب أرضًا يمكن الوقوف عليها.
والوفاء يكبر معنا.. يبدأ من شخص لا نبيعه عند أول خلاف ومن أهل لا نتنكر لفضلهم ومن مكان حفظ أولى خطواتنا حتى يصل إلى الأرض التي حملت أسماءنا وأعمارنا وبيوتنا وقبور من سبقونا.
فالوطن أيضًا له حق الوفاء.
ونحن في أيام اليوم الوطني السادس والتسعين للمملكة العربية السعودية تصبح كلمة ”وطن“ أقرب إلى القلب وأثقل في المعنى.. فالمناسبة لا تستدعي فرحتنا بهذه الأرض فقط وإنما تعيد إلينا سؤالًا يستحق أن يبقى بعد انتهاء الاحتفال..
ماذا أضفنا إلى وطن جمعنا؟
وأحسب أن من طريف اختبارات هذا السؤال تلك المعارك الصغيرة التي تبدأ أحيانًا بثمرة مسكينة!
هذا يقول هي لنا منذ القدم وذاك يعيد شجرة العائلة إلى أرضه وثالث يكاد يطلب تحليل الحمض النووي للوزة أو الليمونة!
وتدور المسألة حتى تكاد الثمرة نفسها تعتذر عن نضجها.
والأمر أبسط من كل ذلك.. ما زرع في أرض ونما فيها وقطف منها جاز أن ينسب إليها. وهذه النسبة لا تنتزع من أرض أخرى فضلها ولا تمنح أحدًا صك ملكية على الثمرة إلى آخر الزمان.
والليمونة التي نختلف عليها لن تنجو من العصارة إن حسمنا نسبها!
والحكاية قد تنتقل من الثمار إلى شاعر قديم أو عالم أو موروث فتبدأ الأيدي تشد كل واحد منها إلى جهتها وكأن فخر جزء من الوطن لا يكتمل إلا إذا خسر الجزء الآخر.
وهنا نصغر بأيدينا شيئًا أكبر منا جميعًا.
فما أجمل أن أفرح بما اشتهرت به مدينتك كما أفرح بما اشتهرت به مدينتي وأن يكون تميز كل بقعة إضافة إلى رصيد المملكة كلها. فالثمرة حين تعبر من مدينة إلى أخرى داخل وطنها لا تحتاج تأشيرة والشاعر بعد مئات السنين أولى بنا أن نقرأ شعره من أن نفتش له عن بطاقة سكن!
الوطن أوسع من هذا كله.
فيه مدن وقرى وسواحل وصحارى وجبال ونخيل وزيتون ولهجات وعادات وموروثات ووجوه مختلفة جمعتها أرض واحدة. وما أجمل هذا الاختلاف حين يصبح ثراءً لنا جميعًا وما أضيقه حين نحوله إلى حدود صغيرة داخل الحدود الكبيرة.
حب الوطن لا ينتظر مناسبة كي يستيقظ.
يظهر وأنت تحفظ مرفقًا وتتقن عملًا وتحفظ للآخر حقه وتعلم ابنك أن ما حوله نصيبه من بيت كبير يشترك فيه مع ملايين غيره.
حتى الأشياء الصغيرة تعرف معنى الانتماء.. رصيف لم نؤذه وشجرة لم نكسرها وطريق لم نلق فيه ما بأيدينا وحق لم نلتف عليه حين لا يرانا أحد.
وقد وضع القرآن ميزانًا بالغ الاختصار: ”إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ“ [النحل: 90].
لهذا لا أعرف قيمة انتمائي من مقدار حماستي وأنا أتحدث عنه. أعرفها مما أتركه فيه.
هل أصلحت شيئًا؟
هل أعنت إنسانًا؟
هل أضفت إلى وطني ما يجعل نصيب من يأتي بعدي أفضل؟
فالوطن يحتاج معلمًا يعرف أن أمامه جزءًا من مستقبل بلده وطبيبًا يرى في المريض إنسانًا من أهله وموظفًا لا يجعل حاجة الناس رهينة مزاجه وعاملًا يتقن ما في يده وكاتبًا يعرف أن كلمته قد تصلح شيئًا وقد تفسده.
هكذا أفهم الانتماء.
أن نفرح باليوم الوطني السادس والتسعين للمملكة ونحمل فرحته معنا بعد أن تطوى المناسبة. أن يكون نجاح مدينة نجاحًا لنا وثمرة أرض من أرضه فخرًا لنا وشاعر بقعة من بقاعه جزءًا من ذاكرتنا وموروث أهله صفحة في كتابنا الكبير.
فالوطن الذي جمعنا تحت اسمه لا ينبغي أن نصغره حتى يتسع لواحد منا ويضيق بالآخر.
وحين عدت إلى العبارة الأولى وجدت أن كلمة ”وطن“ تطلب ثمنها في كل مرة..
فإن قلت إن قلمك وطن سيسألك عما بنيت به..
وإن قلت إن عشقك وطن سيسألك عمن أمن معك..
وإن قلت إن أهلك وطن سيسألك ماذا حملت عنهم..
وإن قلت إن أرضك وطن سيسألك ماذا أضفت إليها..
ثم بقيت أمامي الكلمة وحدها..
”وطن“..
ثلاثة أحرف فقط.
وفي اليوم الوطني السادس والتسعين لا أبحث لها عن عبارة أكبر منها.
يكفيني أن أكون جديرًا بهذه الأحرف الثلاثة.
أن أعرف أن انتمائي لا يكتمل بما أخذته من وطني وإنما بما أصبح فيّ منه وبما سيبقى له مني.
فبعض الكلمات نقولها نحن..
وكلمة ”وطن“ هي التي تقول مَن نحن.
حفظ الله المملكة العربية السعودية وأهلها وأدام عليها أمنها وأمانها.














