آخر تحديث: 16 / 9 / 2026م - 11:55 ص

تمهيد الحسن وقيام الحسين (ع)

أمين محمد الصفار *

كانت مجرد فكرة تخترق تفكيري حول أهمية تخصيص بداية موسم محرم الحرام، الليلة الأولى منه، لتكون حول الإمام الحسن الزكي، فسيرته، سلام الله عليه، بعد استشهاد والده الإمام علي، هي البداية الصحيحة لفهم كربلاء الإمام الحسين عليهما السلام. في أحد اللقاءات وجدت نفسي بين عدد من خطباء المنبر الحسيني، وقد سنحت لي الفرصة لطرح هذه الفكرة بينهم، على اعتبار أن عملية الربط بين سيرة الإمام الحسن وكربلاء الإمام الحسين لا يجري التعرّض لها في موسم عاشوراء. لكنني فوجئت برد أحد الفضلاء أن هناك كتابًا لفضيلة الشيخ عبد العزيز المصلي بعنوان «تمهيد الحسن وقيام الحسين»، عالج هذه الجنبة مفصلًا، ثم قام بإرسال رابط الكتاب.

تناول الكتاب قضية كربلاء الحسين بدءًا من إرهاصات المعاهدة التي جرت بين الإمام الحسن ومعاوية حتى استشهاد الإمام الحسين، كما قدم تفسيرًا مهمًا ويكاد يكون غير مسبوق لأحداث حدثت، وبعضها كاد أن يحدث بعد استشهاد الحسن وأثناء تشييعه وبعد دفنه ، مفصلًا دور الإمام الحسين في وأد الفتنة التي كادت أن تكون حربًا في مدينة رسول الله ﷺ.

الكتاب في مجمله يتناول كربلاء الإمام الحسين بتفاصيل كثيرة ضمّها الكتاب، لكن المدخل الذي وصل من خلاله إلى كربلاء كان عبر سيرة الإمام الحسن بعد استشهاد أبيه. في نحو 150 صفحة، تحدث الكاتب عن الإرهاصات التي أوصلت الإمام الحسن إلى الموافقة على المعاهدة وما تلاها من أحداث، ثم عرّج على دور الإمام الحسين في الأحداث التي تلت استشهاد الإمام الحسن التي كان له دور فيها، لعلمه وتحسبه لما قد يقع بعد استشهاده.

فهذه المعاهدة لم تكن فقط حقنًا لدماء المسلمين، بل أيضًا فضحًا لنهج كامل. وجدت في هذه الصفحات المائة والخمسين عرضًا وتحليلًا لأحداث مهمة يمر عليها التاريخ مرورًا عابرًا دون تحليل أو مناقشة ترقى لمستوى وحساسية هذه الأحداث وعظمة الشخصيات التي أدارتها بحكمة واقتدار. ويرى الكاتب أن المعاهدة نفسها كان لها تأثيرٌ وارتباطٌ وثيقٌ بواقعة كربلاء، إذ يقول إن «للصلح» تأثيرًا مباشرًا في الموقف الحسيني، وأنه تطرق إلى بعض أحداث ما بعد استشهاد الإمام الحسن وأثار أمورًا لم يسبق أن بحثت أو أثيرت من قبل.

ومن أهم ما أثاره الكاتب في هذا الشأن أن عرض معاوية الصلح على الإمام الحسن بعد أن ضعف جيشه، وإغراؤه بقبول كل الشروط، كان لعدم يقين معاوية من ولاء أهل الكوفة والبصرة له رغم كل ما وصله عنهم ومنهم، لكن عندما قبل الإمام الحسن ووضع شروطه الثقيلة، أدرك معاوية أنه وقع في فخ الصلح، حيث أدرك أن أهل العراق الذين كاتبوه كانوا صادقين معه ولا رغبة لهم في الإمام ولا في القتال معه، وبالتالي فهو لم يكن يحتاج إلى مثل هذا الصلح، وهذا ما جعله يستدرك وينقض تلك المعاهدة علنًا ودون مواربة. وهنا يطرح الكاتب إجابة وافية لسؤال عدم قيام الإمام الحسن بنقض المعاهدة طالما أن معاوية قد نقضها، كما يبدي استغرابه من عدم مناقشة الباحثين للمعاهدة من جهة واقع معاوية، وإنما كان البحث كله من جهة واقع الإمام الحسن.

كما تعرض الكاتب إلى مقارنة الظروف التي أحاطت بالإمام الحسن والإمام الحسين، إذ إن الإمام الحسين فُرض عليه إما القتال وإما الاستسلام المذل، فاختار الإمام الحسين القتال على الذل والإذلال. أما الإمام الحسن فكان مخيرًا بين القتال أو الصلح، فاختار التضحية بالخلافة الظاهرية لأجل حماية وصون الدين والمسلمين الذين بايعوه واختاروه خليفة عليهم، بل حتى لو اختار الإمام الحسن القتال فإن قتل الإمام سيجعل معاوية يتبرأ من دمه كما تبرأ من دم عمار بن ياسر، حيث للماكينة الإعلامية دور كبير في تصوير ذلك حربًا داخلية داخل جيش الإمام، وإن لم يُقتل أو يُؤسر، فسوف يُنسب إلى معاوية الفضل في قتله أو إطلاق سراحه.

لقد أجاد الكاتب في قراءة وتحليل شروط المعاهدة بندًا بندًا، ومن أهم ما جاء فيه أن تنازل الإمام الحسن كان مشروطًا بالوفاء، وبالتالي فإن عدم الوفاء ينفي تلقائيًا التنازل، وهو ما يعني إبقاء باب المواجهة مفتوحًا له وللإمام الحسين من بعده كما جاء في شروط المعاهدة.

كذلك ناقش الكاتب، بتحليل عميق، حادثة اغتيال الإمام الحسن والأحداث التي حدثت أثناء تشييعه ودور الإمام الحسين في وأد الفتنة ودور مروان بن الحكم فيها. وأظهرت نتائج هذا التحليل صورة أوضح للمشهد من خلال التعرف على الأدوار التي قام بها بعض الشخصيات التي لم تظهر في المشهد، لكن دورها كان محوريًا في تلك الأحداث. لقد كانت كاميرا الكاتب تركّز على الدور المحوري للإمام الحسين في وأد تلك الفتنة واتباعه وصية أخيه الإمام الحسن.

تناول الكتاب في فصوله الثلاثة الأولى التي حاولتُ المرور على أهم ما جاء فيها تحليل أحداث معروفة في قضية كربلاء، لكن برؤية وعقل مختلفين، وكان مدخله إلى ذلك هو شخصية وسيرة الإمام الحسن بعد وفاة والده، وتحديدًا من مقدمات المعاهدة التي جرت بينه وبين معاوية. وتمنيت لو أن الكاتب جعل هذه الفصول الثلاثة مستقلة في كتاب واحد رغم الرابط القوي بينها وبين بقية الكتاب الذي يقع في 600 صفحة، وكُتب عام 1422 هـ وطُبع عام 1425 هـ، ويمكننا هنا أن نثير تساؤلًا مشروعًا، فبالرغم من عمق الطرح الذي قدمه الكاتب، فإننا لم نجد أي طرح نقدي للكتاب، فالطرح النقدي لهذا الكتاب، سواء على شكل ندوات أو قراءات نقدية، هو أقل ما يجب أن يُقدَّم لهذا الكتاب من قبل الكفاءات التي تزخر بها المنطقة، لا سيما أن الكتاب نفسه قيل إنه طُبع بعنوان آخر في إحدى الدول خلسة، دون علم الكاتب أو إذنه.