آخر تحديث: 16 / 9 / 2026م - 11:55 ص

د. صوديف.. الطب حين يستعيد معناه الإنساني

فوزي آل غريب *


يجسّد الدكتور صوديف عدنان خلوف، في حضوره المهني، معنى يتجاوز حدود التخصص؛ فالمهنة الطبية لا تُقاس بعدد المرضى الذين يعبرون أبواب العيادات، ولا بعدد الوصفات التي تُكتب، ولا بما يحيط بالطبيب من أجهزة وتقنيات حديثة. فالطب، في جوهره الأعمق، لحظة إنسانية خالصة؛ يضع فيها إنسانٌ ضعفه بين يدي إنسان آخر، وينتظر منه ما هو أبعد من التشخيص والعلاج. ينتظر الطمأنينة، ويبحث في نبرة الصوت عمّا يشبه الأمان، وفي ملامح الطبيب عن يقين يخفف شيئًا من وَطْأة الخوف.

ومن هنا يأتي الحديث عن الدكتور صوديف خلوف، الذي يترك، وفق ما يصفه مراجعوه ومن أتيح لهم التعامل معه، انطباعًا طيبًا لا يرتبط بتخصصه وخبرته فحسب، بل يمتد إلى حضور البعد الإنساني في تعامله مع مرضاه.

فمن يلتقيه يشعر، منذ اللحظة الأولى، بأنه أمام طبيب يصغي قبل أن يجيب، ويفهم قبل أن يقرر، ويتعامل مع المريض بما يليق بثقته وحاجته إلى الأمان. ولعل ما يميز هذا الانطباع أنه لا يحتاج بالضرورة إلى علاقة طويلة أو زيارات متكررة؛ فقد يكون اللقاء الأول كافيًا ليترك لدى المريض شعورًا بالارتياح، وإحساسًا بأن من أمامه يتعامل معه بصدق واحترام واهتمام.

ومن الصفات التي تتكرر في شهادات مراجعيه الأمانة في التعامل مع المريض. وهي صفة تبدو بسيطة في لفظها، لكنها عظيمة في معناها؛ فالأمانة الطبية لا تقتصر على قول الحقيقة، وإنما تتجلى في أن يضع الطبيب الخيارات أمام المريض بوضوح، وأن يرشده إلى ما يراه أصلح لحالته، بعيدًا عن التخويف أو المبالغة.

وحين يدرك المريض أن النصيحة التي يتلقاها تستند إلى المسؤولية والضمير، تنشأ الثقة بصورة طبيعية. فالمريض لا يبحث عن طبيب يمتلك المعرفة وحدها، بل عن طبيب يشعر معه بأن مصلحته حاضرة في كل قرار، وأن صحته ليست مجرد ملف بين ملفات كثيرة.

وتأتي البشاشة لتضيف إلى هذه العلاقة بُعدًا آخر. فقد تبدو الابتسامة أمرًا عابرًا في عيادة مزدحمة، لكنها بالنسبة إلى مريض قلق قد تكون نافذة صغيرة يدخل منها الأمان. فالطبيب البشوش لا يلغي الألم بابتسامة، لكنه يجعل مواجهته أهون على النفس، ويمنح المكان شيئًا من السكينة التي يحتاج إليها المريض قبل أي شيء آخر.

والاحتراف الحقيقي لا يظهر في لحظة اتخاذ القرار وحدها، بل في التفاصيل التي تسبقها وتليها؛ في حسن الاستماع، ووضوح الشرح، ودقة التقييم، واختيار الأنسب لكل حالة. فالخبرة ليست معرفة ما ينبغي فعله فحسب، وإنما هي القدرة على قراءة الموقف، وترتيب الأولويات، واتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب.

وفي زمن تتسارع فيه التكنولوجيا الطبية بصورة مذهلة، وتزداد الأجهزة قدرة على التشخيص والتحليل، تظل هناك مساحة لا تستطيع التقنية أن تملأها بالكامل: مساحة الإنسان.

فالجهاز قد يقرأ المؤشر، والصورة قد تكشف موضع الخلل، والتحليل قد يقدم رقمًا دقيقًا؛ لكن الطبيب هو من يمنح هذه المعطيات معناها الإنساني، فيشرح للمريض ما تعنيه، ويجيب عن أسئلته، ويدرك ارتباكه حين تعجز الكلمات عن الخروج، ويمنحه قدرًا من الطمأنينة.

وهنا يظهر الفارق بين طبيب يمارس المهنة، وطبيب يحمل رسالتها.

فالمريض قد ينسى اسم الدواء أو بعض تفاصيل التشخيص، لكنه غالبًا لا ينسى الطريقة التي استُقبل بها، ولا الكلمة التي قيلت له في لحظة خوف، ولا ذلك الشعور بأنه لم يكن مجرد رقم في قائمة المراجعين. وقد تمر السنوات وتبهت تفاصيل كثيرة في الذاكرة، بينما تبقى صورة الإنسان الذي جعله يشعر بأنه كان موضع عناية واحترام.

ومن هذا المنظور، فإن الحديث عن الدكتور صوديف خلوف يتجاوز حدود تخصصه إلى قيمة أوسع؛ أن يظل الإنسان حاضرًا في الطب، وأن تكون المعرفة وسيلة للعلاج، والأمانة أساسًا للثقة، والخبرة سبيلًا إلى القرار الرشيد، والرحمة روحًا للممارسة الطبية.

ولعل أجمل ما يمكن أن يقال عن الطبيب أن تبقى إنسانيته حاضرة، حتى وهو يمارس واحدة من أكثر المهن احتياجًا إلى الدقة والصرامة؛ أن يعرف متى يتخذ القرار، ومتى يشرح، ومتى يصغي، ومتى يحتاج المريض إلى كلمة هادئة أكثر من حاجته إلى شرح طويل.

وحين تجتمع الكفاءة مع الأمانة، والخبرة مع البشاشة، والدقة مع الرحمة، يصبح الطبيب أكثر من صاحب مهنة؛ يصبح أثرًا طيبًا في حياة من مرّوا به.

وهذا، في النهاية، هو المعنى الأجمل للطب: أن تنقذ الجسد حين تستطيع، وأن تطمئن الروح حين تحتاج، وأن تترك وراءك إنسانًا يشعر بأنه وجد في طبيبه من يفهمه ويقدّر قلقه؛ طبيبًا لم يرَ فيه مرضًا فحسب، بل رأى فيه إنسانًا أولًا.

وفي هذا المعنى، تتجلى صورة الدكتور صوديف خلوف كما يرويها من تعاملوا معه؛ طبيبًا يلتقي في حضوره العلم بالإنسانية، والخبرة بالأمانة، والدقة بالرحمة، فيتجاوز أثره لحظة العلاج نفسها، وتبقى في الذاكرة صورة طبيب لم يكتفِ بأن يعالج، بل أسهم في أن يجعل رحلة العلاج أكثر طمأنينة وإنسانية.