آخر تحديث: 17 / 9 / 2026م - 11:06 ص

ردًا على جمعية الفردوس: الاعتماد لا يغني عن سؤال الجدوى


أشكر الأستاذ حافظ الفرج، رئيس مجلس إدارة جمعية الفردوس لإكرام الموتى، على رده وتوضيحاته بشأن المقال السابق: «جمعية الفردوس لإكرام الموتى.. هل تنظر إلى المستقبل؟».

ومن باب الإنصاف، فقد حمل الرد معلومات مهمة تستحق التوقف عندها.

أولها أن موقع المقبرة المركزية البالغ مساحتها 542 ألف متر مربع لم تكتمل موافقاته النظامية، وأن وزارة الطاقة رفضت الموقع، رغم موافقة جهات أخرى. وهذه معلومة لم تكن متاحة لي عند كتابة المقال، وأقر بأهميتها. على الرغم من تصريحه السابق والذي صرح فيه عن مساعٍ متقدمة لإنشاء مقبرة مركزية غرب مدينة القطيف بمساحة نصف مليون متر مربع، بالتنسيق المستمر مع الجهات المعنية. وهنا أيضا يأتي السؤال لماذا لا يتم إدراج المقبرة المركزية الثانية بالجارودية كخيار بديل، لوجود بنى أساسية قائمة مثل المغتسل والمصلى المكيف، وأن الاحتياج الفعلي للمقبرة يكمن في عمل الطرقات والتخطيط الداخلي كما صرح بذلك في رده على مقالتي. وتجدر الإشارة إلى أن موقع المقبرة المركزية البالغ 542 ألف متر مربع المطالب بها هي ملاصقة للمقبرة المركزية الثانية بالجارودية.

كما أوضح رئيس الجمعية أن توسعة مقبرة الخباقة بمساحة 17,600 متر مربع معتمدة منذ فبراير 2024، وأن الأرض محل التوسعة ليست أرضًا زراعية كما ورد في مقالي السابق، وإنما أرض فضاء تحتوي على مخلفات. ورغم ذلك تظل أرض زراعية بموجب الصك وقد تدخل هذه الأرض في نفس المتاهات الحاصلة لأراض زراعية متوقفة منذ زمن طويل كان يراد منها أن تكون امتدادا لمقابر قائمة.

كما أوضح رئيس مجلس إدارة جمعية الفردوس لإكرام الموتى كذلك أن بعض المرافق التي أشرت إليها في المقبرة المركزية الثانية بالجارودية موجودة بالفعل، وأن الاحتياج يتركز في الطرق والتخطيط الداخلي. وهذا الإيضاح يضع الجمعية في موقع المساءلة، لماذا لم يتم الاستفادة من مقبرة متكاملة الخدمات وتحتاج فقط إلى الطرق والتخطيط الداخلي ولمدة أكثر من عشرة أعوام؟ علما أن مساحة هذه المقبرة، المرخصة والتي هي بيد الجمعية، تبلغ 200 ألف متر مربع.

هذه التوضيحات من رئيس مجلس إدارة جمعية الفردوس لإكرام الموتى هي محل شكر وتقدير. لكنها لا تجيب عن السؤال الأساسي الذي طرحته.

فأنا لم أعترض على اعتماد مشروع الخباقة، ولم أقل إن الجمعية تعمل دون موافقات، ولم يكن المقصود التشكيك في القائمين عليها. السؤال كان ولا يزال:

هل إنفاق 9.5 ملايين ريال على شراء 17,600 متر مربع هو الخيار الأكثر جدوى للقطيف على المدى البعيد في ظل توفر بدائل شبه جاهزة؟

وهنا أعتقد أن النقاش الحقيقي يبدأ. لأن الجمعية بيدها مشروع مرخص وجاهز ومكتمل الخدمات ما عدا الطرق والتخطيط الداخلي وبمساحة تعادل عشرة أضعاف مساحة الأرض المراد شراءها.

إذا كانت قيمة الأرض 9.5 ملايين ريال، فالمجتمع والمتبرعون يستحقون أن يعرفوا: ماهي المدة اللازمة لاكتمالها؟ كم عدد القبور الإضافية التي ستوفرها؟ وما العمر المتوقع لهذه التوسعة؟ وما تكلفة تجهيزها كاملة؟ وكم تبلغ تكلفة كل قبر أو كل وحدة من الطاقة الاستيعابية التي سيضيفها المشروع؟ وكل ذلك مقارنة بالمقبرة المركزية الثانية بالجارودية الشبه جاهزة.

هذه ليست أسئلة تشكيك، وإنما أسئلة جدوى.

والقول إن المشروع معتمد منذ عام 2024 يثبت مشروعيته، لكنه لا يثبت بالضرورة أنه أفضل خيار اقتصادي واستراتيجي في عام 2026 وما بعده. كذلك، فإن رفض وزارة الطاقة للموقع المركزي لا ينبغي أن يكون نهاية السؤال، بل بداية سؤال آخر: ما البديل؟

إذا كان الموقع الحالي للمقبرة المركزية غير قابل للاعتماد، وفي تقديري الشخصي لن يتم أبدا، فهل تبحث الجمعية عن موقع مركزي بديل؟ وهل توجد خطة زمنية لذلك؟ وهل توسعة الخباقة حل مؤقت للاحتياج الحالي، أم أنها جزء من استراتيجية طويلة المدى؟ فالوضع في مقبرتي الخباقة والدبابية وصل للمرحلة التي وصفها الشاعر: رُبَّ لَحْدٍ قَدْ صَارَ لَحْدًا مِرَارًا. وهنا ربما نصل إلى نقطة اتفاق بدل الاختلاف.

أنا لا أطالب بإيقاف توسعة الخباقة إذا كانت حاجة عاجلة وضرورية وممكنة، بل أطالب بأن تسير هذه التوسعة بالتوازي مع مشروع استراتيجي للمستقبل. فالقطيف لا تحتاج فقط إلى حل مشكلة المقابر اليوم، وإنما تحتاج إلى أن نعرف كيف ستُدار هذه الحاجة بعد عشرين وثلاثين عامًا.

أما تقديري السابق لتكلفة تهيئة الأرض، فأقر بأنه كان تقديرًا شخصيًا وليس دراسة هندسية معتمدة وقد نوهت بذلك في مقالي، ولذلك فإنني أرحب بتصحيح الجمعية لهذه النقطة. ولكن من الأفضل بدلا من ذلك أن تحسمها الجمعية بنشر التكلفة الفعلية المتوقعة لأعمال التهيئة والبنية التحتية للتوسعة وفي المقابل، فإنني أتمنى أن ننتقل من الأرقام المتفرقة إلى رقم أهم:

كم تبلغ تكلفة توفير قبر واحد إضافي للمجتمع، ومتى؟

هذا الرقم وحده سيجعل النقاش أكثر وضوحًا.

وفي النهاية، أكرر تقديري لجهود جمعية الفردوس والقائمين عليها، فخدمة الموتى وأسرهم مسؤولية اجتماعية نبيلة. لكن لأن أموال هذه المشروعات تأتي من المجتمع، فإن من حق المجتمع أيضًا أن يسأل، وأن يعرف، وأن يقارن.

لا نحتاج إلى خلاف حول الأشخاص، بل إلى منافسة بين الأفكار.

ولا أرى أن السؤال الصحيح هو:

هل توسعة الخباقة مشروع معتمد؟ بل السؤال الأهم:

هل هي أفضل استثمار ممكن لموارد المجتمع؟

وإذا كانت الإجابة نعم، فلتقدم لنا الجمعية الأرقام والدراسة. وإذا كانت توسعة الخباقة هي حل اليوم، فلتخبرنا الجمعية أيضًا:

ما هو حل الغد؟

فتوسعة مقبرة الخباقة قد تحل مشكلة قائمة، وهذا أمر مهم، لكن المقبرة المركزية أو البديل الاستراتيجي هو ما قد يحل مشكلة الأجيال القادمة. وماذا عن المقبرة المركزية الثانية بالجارودية كخيار بديل؟ ولماذا لا يستفاد منها؟

وهذا، في النهاية، هو جوهر سؤالي الأول:

هل ننفق على الحاجة الحالية فقط، أم نبني اليوم حلًا لا يضطر أبناؤنا إلى إعادة البحث عنه غدًا؟ كيف نضمن أن تكون مشاريع مقابر القطيف اليوم قادرة على تلبية احتياجات أبنائها ليس فقط الآن، بل أيضًا بعد عشرين وثلاثين عامًا؟

فالمشروعات المؤقتة تعالج حاجة اليوم، أما الرؤية الاستراتيجية فتصنع حلًا للمستقبل.