من أسواق العالم إلى ظلال النخيل

كثيرًا ما نقع في وهم الجغرافيا الضيقة؛ نقف في طرف الحقل فنظن أن العالم كله يراه، ونمشي في السوق المحلي فنعتقد أن الأرض بأسرها تتحدث عن بضاعتنا. وما بين النخلة التي أمام البيت والشاشة التي في الجيب، تنشأ أوهام واسعة تجعل الإنسان يظن أن ما يعرفه يعرفه الجميع، وأن ما يستهلكه يستهلكه العالم.
حين يفيض موسم اللومي أو اللوز أو التمر أو البصل أو الثوم أو الرز، يتراءى لبعضنا أن الأسواق الدولية تترقب حصادنا كما نترقب نحن هلال العيد؛ نتصور أن المزارع الصيني ينتظر أخبار اللومي الأحسائي، وأن الكندي يتابع أسعار الرطب، وأن التاجر التركي لا ينام قبل أن يعرف إنتاج الموسم في قرية صغيرة من قرى الشرقية.
غير أن الحقيقة الاقتصادية أكثر تواضعًا وأكثر صرامة؛ فالمحصول الذي يملأ أعيننا قد لا يتجاوز أثره التجاري نطاق المحافظة نفسها، وما نراه نحن وفرة هائلة قد يبدو، في حسابات التجارة العالمية، نقطة صغيرة في بحر واسع من الإنتاج الزراعي المتدفق من عشرات الدول والقارات.
نحن نعرف التفاح التركي، والبرتقال المصري، والكيوي النيوزيلندي، والعنب الجنوب إفريقي، والموز الإكوادوري، والأناناس الفلبيني، والأفوكادو المكسيكي، والكرز التشيلي، والكمثرى الصينية؛ نعرفها لأن وراءها سلاسل إنتاج ضخمة، وموانئ، وشركات شحن، وعقود تصدير، وعلامات تجارية، واستثمارات طويلة الأمد جعلتها حاضرة في رفوف المتاجر حول العالم.
أما كثير من منتجاتنا المحلية، مهما بلغت جودتها، فإنها تبقى محبوبة في نطاقها الجغرافي أكثر مما هي معروفة عالميًا.
وهنا يختلط الاعتزاز بالوهم؛ فالاعتزاز بالمحصول المحلي فضيلة، أما الاعتقاد بأن العالم كله يعرفه لمجرد أننا نعرفه، فهو صورة من صور التمركز حول الذات؛ ذلك الميل الإنساني الذي يصفه علماء النفس المعرفي باعتباره نزعة طبيعية تجعل الفرد يرى تجربته الخاصة أكبر حضورًا مما هي عليه في الواقع.
خذ الأحساء والقطيف مثالاً: لا أحد ينكر القيمة الزراعية والتاريخية لهاتين الواحتين؛ فقد شكّلت النخيل فيهما جزءًا من الذاكرة الجمعية ومن الاقتصاد المحلي لعقود طويلة، وتعد واحة الأحساء من أكبر الواحات الطبيعية في العالم، وتضم ملايين أشجار النخيل، وتنتج مئات آلاف الأطنان التمرية سنوياً، فيما يشكل تمر الخلاص والشيشي والخنيزي وغيرها جزءاً من الهوية الزراعية للمنطقة.
لكن بين الجودة والشهرة العالمية مسافة طويلة؛ فأغلب ما ينتج زراعياً في العالم لا يصبح سلعة عالمية معروفة، وحتى التمور نفسها، على الرغم من أن المملكة تعد من كبار المنتجين والمصدرين عالميًا، فإن جزءًا كبيرًا من الاستهلاك يبقى محليًا أو إقليميًا، بينما لا يعرف المستهلك الأوروبي أو الآسيوي العادي أسماء معظم الأصناف التي يتداولها أهل الأحساء والقطيف يوميًا.
إن السوق العالمية لا تتحرك بالعاطفة، ولا بالحنين، ولا بالانتماء المحلي؛ إنها تتحرك بالأرقام، والقدرة الإنتاجية، والاستمرارية، واللوجستيات، والتسويق. فلكي يعرف العالم محصولًا ما، لا يكفي أن يكون ممتازًا، بل يجب أن يكون حاضرًا في المتاجر والمطاعم والموانئ وسلاسل التوريد والإعلانات والمنصات التجارية.
ولهذا نجد أن كثيرًا من أبناء الجوف قد لا يعرفون تفاصيل أصناف التمور الأحسائية، كما أن كثيرًا من أبناء الأحساء لا يعرفون أصناف الزيتون الجوفية إلا قليلًا؛ فكيف نتوقع من سكان شنغهاي أو تورونتو أو إسطنبول أن يعرفوا ما لم ينتشر أصلًا خارج نطاقه التجاري المحدود؟
إن العالم أكبر بكثير مما نتصور: فالصين وحدها تضم مئات المدن التي يتجاوز سكان الواحدة منها عدد سكان دول كاملة، والهند تملك أسواقاً زراعية تعادل قارات بأكملها؛ وما يبدو لنا مركزًا للكون ليس، في كثير من الأحيان، سوى نقطة صغيرة على خريطة التجارة الدولية.
وهذا لا ينتقص من قيمة المنتج المحلي، بل يضعه في حجمه الحقيقي؛ فالتمر الأحسائي ليس بحاجة إلى أوهام كي يكون عظيماً، وجودته تكفيه. واللومي ليس بحاجة إلى ادعاء العالمية كي يكون جزءًا من المائدة الخليجية، والبصل أو الثوم أو اللوز لا تزداد قيمتها إذا عرفها سكان الأرض جميعًا.
إن الأشياء الجميلة لا تستمد مكانتها من شهرتها، بل من جودتها التي تشهرها؛ والمجتمعات الناضجة لا تقيس نجاح منتجاتها بعدد من يعرفها، بل بقدرتها على تطويرها وتحسينها وفتح أسواق جديدة لها. فبين نخلة تصفق لها القرية كلها، ونخلة تطعم العالم، رحلة طويلة من العلم والاستثمار والعمل والصبر.
وحين ندرك ذلك، نكف عن سؤال: هل يعرف العالم منتجنا؟
ونبدأ بالسؤال الأهم:
ماذا فعلنا ليعرفه العالم؟














