آخر تحديث: 18 / 9 / 2026م - 3:43 م

وقتك دوام... ووقتي غياب

يوسف الطويل *


في إحدى المرات، ذهبت إلى خدمة العملاء لإنهاء معاملة.

جلست أنتظر...

ساعة، ثم ساعتين.

ولم تكن المشكلة أن الموظف غارق في معاملات المراجعين، ولا أن النظام متعطل، ولا أن لديه ظرفًا خارجًا عن إرادته.

كان منشغلًا بالحديث مع زملائه!

بعد ساعتين، توجهت إليه وقلت:

يا أخي، لقد أخرتني ساعتين من دون سبب.

أنت الآن في عملك، وهذا الوقت محسوب لك من ساعات الدوام، أما أنا فقد خرجت من عملي واستأذنت حتى آتي إليك.

ثم قلت له:

وأنت في الأصل لا تعرف من هو المراجع الجالس أمامك، ولا تعرف قيمة الساعة التي أخذتها من وقته.

قد تكون الساعة التي أخذتها منه وراءها أعمال لا تحتمل ساعتين من التأخير.

وقد يكون هذا المراجع طبيبًا لديه عمليات جراحية، أو معلمًا ينتظره طلاب، أو صاحب عمل ينتظره موظفون أو عملاء.

لم أكن أقول إن عملي أهم من عمله، وإنما كنت أريد أن أوصل إليه فكرة بسيطة:

أنت لا تعرف قيمة وقت الإنسان الذي يجلس أمامك منتظرًا.

لكنه ضحك!

وكأن الأمر لا يعنيه.

اضطررت إلى الذهاب إلى رئيسه وتقديم شكوى.

والمفاجأة؟

أن معاملتي أُنجزت على الفور!

وهنا سألت نفسي:

إذا كانت معاملتي يمكن أن تُنجز بهذه السرعة...

فلماذا لم تُنجز منذ البداية؟

ولماذا يجب على المراجع أن يرفع صوته، أو يشتكي، أو يذهب إلى رئيس الموظف حتى يحصل على خدمة كان من حقه أن يحصل عليها من دون كل هذا؟

ولماذا تجبرني على أن أشتكي عليك، وأنا لم آت لأتشاجر معك؟

أتيت لإنهاء معاملتي والعودة إلى عملي.

وهذه المشكلة نراها بصور مختلفة.

مراجع يستأذن ساعة من عمله، فيجلس ساعتين أو ثلاثًا.

وفي النهاية يقال له بكل بساطة:

«لم تنتهِ المعاملة... عُد غدًا»

غدًا؟

الموظف سيكون غدًا في مكتبه أصلًا.

أما المراجع، فعليه أن يعود إلى رئيسه ويقول:

«أحتاج إلى الاستئذان مرة أخرى»

وقد يقول له رئيسه:

استأذنت بالأمس، واليوم أيضًا؟

وقد يضطر إلى أخذ نصف يوم، أو يوم كامل من إجازته، حتى ينهي معاملة كان من المفترض أن تنتهي من الزيارة الأولى.

وفي العيادات كذلك:

إذا تأخرت أنت ربع ساعة، فقد تفقد موعدك.

أما إذا تأخر موعدك ساعة أو ساعتين، فيقال لك:

«انتظر».

وبالطبع، قد تكون لدى الطبيب حالة طارئة أو ظرف طبي يستحق التأخير، وهذا أمر مفهوم.

لكن حتى هنا، يبقى هناك شيء اسمه:

احترام وقت المراجع.

وفي الصيانة والتوصيل وبعض الخدمات أيضًا، يقال لك:

«سنأتيك من الثامنة إلى الثانية عشرة».

فتعطل نفسك أربع ساعات.

ثم يأتيك الاتصال:

«لم نتمكن من الحضور اليوم... نؤجل الموعد إلى الغد»

حسنًا...

والساعات الأربع التي أخذتموها من يومي؟

من يعوضني عنها؟

المشكلة أننا أحيانًا نتعامل مع وقت المراجع وكأنه بلا قيمة.

إذا تأخر هو، حاسبناه.

وإذا تأخرنا عليه، قلنا له:

«نعتذر».

إذا لم يحضر، فقد موعده.

وإذا لم ننجز معاملته، قلنا له:

«عُد مرة أخرى»

وكأن المرة الثانية لا ثمن لها.

احترام المراجع ليس مجرد ابتسامة، ولا كلمة «تفضل»، ولا استبيان رضا بعد انتهاء معاملته.

أول احترام للمراجع هو احترام وقته.

لأنك وأنت جالس خلف مكتبك، فالساعتان اللتان قضيتهما مع المراجع محسوبتان لك من ساعات عملك.

أما هو، فقد تكون الساعتان محسوبتين عليه غيابًا، أو استئذانًا، أو خصمًا، أو من إجازته.

وقد يكون وراءه مرضى، أو طلاب، أو عملاء، أو موظفون، أو مصنع، أو متجر، أو موعد آخر ينتظره.

فلا تنظر إلى الشخص الجالس على الكرسي أمامك وتظن أنه:

» مجرد مراجع ينتظر «

قد تكون أنت تنتظر انتهاء دوامك...

بينما هو ينتظر منك أن تسمح له بالعودة إلى دوامه.

وقتك دوام...

ووقتي غياب.