للجمعة منبر

لعل الكثير يمر عليه ظهر يوم الجمعة وهو يغط في نوم عميق، ولعل البعض مشغولٌ بفترة نزهة أو نقاهة، بينما يصدح صوت الأذان بالنداء الإلهي:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: 9].
من المؤكد أن الأذان يخترق سمعه، وقطعًا ليس قلبه، فلو كان يخترق القلب لتحرك الجسم تبعًا للقلب نحو تلبية النداء الإلهي، اقتداءً بسيد الكائنات ﷺ، الذي شعّت شمس الدعوة إليه من الآية الشريفة:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21].
فهل في ساعات الوجوب والحرمة نكون على خطى رسول الله، ومنها ساعة الظهر يوم الجمعة؟
بالإضافة إلى الجانب العبادي والروحي، هناك الرافد العلمي الذي يضخّه العلماء في الساعة التي ينبغي أن يكون الجميع مستيقظين وقتها، للتأقلم مع الجدول الأسبوعي، والاختلاف يتمثل في تأخر ساعة الاستيقاظ أو عدم وجود التزام وظيفي.
عمومًا، هناك كلمات وخطب تستحق أن تكون وجبة المؤمنين الأسبوعية، فلا غنى عن الرجوع إلى أهل العلم الديني في جميع طروحاتهم. فلقد علّق أحد مفاخر المذهب من آيات الله في الحوزة حين مُدح تميّز منبره بالثراء الفكري قائلًا، بالمضمون: الجميع يخدم الإمام الحسين
بما يتقنه، ونحن بحاجة إلى جميع الطروحات المنبرية: فكرية وعقائدية وفقهية وأخلاقية وتاريخية واجتماعية وغيرها.
ومن المؤكد أن القارئ العزيز يتفق معنا أن منبر الجمعة كذلك، فالكل هنا يأتي لينهل من معين محمد وآل محمد، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
هناك منابر للجمعة تتميز بالمواكبة والتطور المستمر، فلا يمر يوم له مناسبة دينية وإنسانية تعزز القيم الإنسانية في المجتمع إلا وظّفها خطيبها الفاضل لتوعية مرتادي بيت الله بها، بخطاب حكيم وواعٍ وأسلوب جذاب وهادئ.
من يعتاد الحضور لديهم، ويلحظ تميّزهم في ذلك لا يرتوي إلا بالعودة إلى منبرهم، وإن دعاه التغيير إلى التطواف في جنات الجمعة المحمدية.
هناك ترى عملًا دؤوبًا، ليفاجئك أن ملاحظةً قلتها لأحد من له صلة ترى أثرها في الخطبة القادمة.
ومما قل نظيره أن تتفاجأ بأن ما تكتبه على صفحات العالم الافتراضي، مما تراه فضفضةً أو بوحًا، مطلع عليه خطيب الجمعة القدير، بل يشجعك على الاستمرار، وأنت ترى فيه قامةً خطابيةً، فتقول: وهل يقرأ لأمثالي؟ أدام المولى عليه هذه الروحية المسؤولة تجاه مجتمعه.
وقطعًا هذا وحده مشجع على الكتابة والاستمرار والاجتهاد في كتابة الأفضل قدر المستطاع.
ذلك العمل الدؤوب أنتج خطابًا متنوع المشارب، طارقًا أبواب الديني والفكري والفقهي والوعظي والاجتماعي والتاريخي، مما يقدم للمتلقي مادة جاهزة للمواكبة الدينية والفكرية والثقافية والاجتماعية وغيرها.
ولو أراد أن يبذل جهدًا لتقصّيها أو البحث فيها، لاحتاج إلى شهور، مع زخم الواجبات الأسرية والوظيفية وغيرها، فمن التفريط الزهد في مثل هذه المنابر، خصوصًا أنها تُقدَّم في قالب صلاة الجمعة المحمدية.
عودًا على بدء، تتميز بعض صلوات الجمعة - إضافة إلى الأجواء الروحية والأخوية والعطاء العلمي - باستقبال إمام الجماعة للمصلين، وتبادل الحديث معهم والاستماع إليهم.
1. يوم الجمعة يوم عيد، والطقوس التي يستحب الإتيان بها تشبه أعمال عيد الفطر والأضحى، من الغسل ودعاء الندبة وما إلى ذلك، فحبًا للنبي الأعظم ﷺ، ولإمام الزمان الذي يومه يوم الجمعة، يجب علينا إحياء هذا اليوم وليلته كما يستحقان.
2. في زخم المشاغل الوظيفية تتجلى الحاجة إلى دور فضلاء الحوزة في ضخ الجرعات الروحية والتوعوية للمجتمع، فالفضلاء منحهم دورهم رؤيةً بعيدة المدى، مما يمكّنهم من الإرشاد الحكيم بناءً على قراءة الواقع ومحاكمته إلى رأي الدين المحمدي، صلى الله على سيده وآله الطاهرين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
3. لا تجعل الأعذار والعوائق مانعًا عن تمييز يوم الجمعة من غيره من الأيام - سواء أكان ذلك كسلًا أم حواجزَ ناشئةً عن اختلاف التوجهات أو الآراء -، فيكفي أن يكون الإمام عادلًا، والعدالة هي الاستقامة العملية في جادة الشريعة المقدسة، الناشئة غالبًا عن خوف راسخ في النفس، وينافيها ترك واجب أو فعل حرام من دون مؤمِّن.
فهل الاختلاف في الرأي أو التوجه يبرر ترك واجب أو فعل محرم؟ نكل ذلك إلى المكلف ومرجعه.














