موعدك يكشف شخصيتك

ذات مرة، كنت أنتظر صديقًا تأخر عن موعده قرابة ثلث ساعة، فلما حضر قلت له مبتسمًا:
— أتعلم أن بعض الناس يصنعون المعجزات في هذه الدقائق التي انتظرتك فيها؟
ضحك وقال:
— الله… الله! معجزات؟!
قلت:
— نعم، معجزات! ألا ترى كيف تتغير نتائج مباريات كرة القدم في الدقائق الأخيرة؟ فريقٌ يكون مهزومًا، ثم يقلب النتيجة وينتصر قبل صافرة النهاية بلحظات!
ابتسم، لكنني كنت أريد أن أصل معه إلى معنى أبعد من مباراة كرة قدم.
الدقائق ليست شيئًا عابرًا كما نظن.
قد تغيّر نتيجة مباراة، وقد تنقذ مشروعًا، وقد تمنح إنسانًا فرصة، وقد تكون الفارق بين إنجازٍ وتأخير.
ومع ذلك، فإن بعضنا يتعامل مع الوقت وكأنه مورد لا ينفد، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالمواعيد.
وقد شاع بين الناس تعبير: «مواعيد العرب»، حتى أصبح عند البعض شماعةً يعلّق عليها تأخره، فإذا وصل بعد الموعد قال ضاحكًا:
— تعرف… مواعيد عرب!
لكن السؤال الحقيقي هو:
لماذا نقبل أن يتحول التأخر إلى عادة؟ ولماذا لا نجعل الدقة في المواعيد جزءًا من شخصيتنا وسلوكنا؟
إن الوفاء بالموعد ليس مجرد تنظيم للوقت، بل هو صورة من صور الوفاء بالوعد؛ تلك القيمة التي امتدحها القرآن الكريم في نبي الله إسماعيل
، فقال تعالى:
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم: 54]
فإذا كان صدق الوعد خُلُقًا رفيعًا، فإن الالتزام بالموعد أحد تجلياته العملية في حياتنا اليومية.
من يحترم الوقت، يحافظ عليه، ولا ينظر إلى الدقائق بوصفها أرقامًا تمر على الساعة، بل يراها أجزاءً من العمر لا تعود.
لذلك تجده يخطط ليومه، ويرتب أولوياته، ويستثمر وقته فيما ينفعه.
أما من لا يقدّر قيمة الوقت، فقد يهدره في أمور هامشية، ويؤجل أعماله، ويتعامل مع المواعيد بشيء من التساهل.
وهنا تتضح قيمة قول الإمام علي
:
«الأُمُورُ مَرْهُونَةٌ بِأَوْقَاتِهَا» [1] .
فلكل أمر وقته، وحسن التوقيت جزء من حسن التدبير، والنجاح لا يرتبط بالفعل وحده، بل قد يرتبط أيضًا باللحظة التي اخترناها له.
والحقيقة أن الدقة في الموعد لا تعني أنك شخص منظم فحسب، بل تعني أيضًا أنك تحترم الآخرين.
فعندما تتأخر عن شخص ينتظرك، فأنت لا تستهلك وقتك وحدك، بل تستهلك جزءًا من وقته أيضًا.
وقد يكون لذلك الشخص موعد آخر، أو عمل ينتظره، أو أسرة يريد العودة إليها، أو التزام كان يستطيع إنجازه خلال الدقائق التي قضاها في انتظارك.
لهذا فإن حضورك في الوقت المحدد يحمل رسالة صامتة تقول للآخر:
«وقتك مهم عندي… ولذلك حضرت في موعدي.»
الالتزام بالمواعيد لا يحتاج إلى قدرات خارقة، وإنما إلى بعض العادات البسيطة:
أولًا: اختر الوقت المناسب.
إذا أردت زيارة شخص، فاختر وقتًا يناسبه، وإذا رغبت في الاتصال به، فاحرص على ألا تكون مكالمتك في وقت راحته أو انشغاله.
ثانيًا: لا تبدأ عملًا طويلًا قبل موعد قريب.
فقد تقول: «لدي عشر دقائق فقط، سأُنهي خلالها هذا العمل»، ثم تكتشف أن الدقائق العشر تحولت إلى نصف ساعة.
ثالثًا: احسب زمن الطريق.
إذا كان المكان بعيدًا، فلا تحسب وقت القيادة فقط، بل ضع في اعتبارك الازدحام، ومواقف السيارات، والوصول إلى المكان نفسه.
ومن الأفضل أن تصل قبل الموعد بقليل، على أن تجعل الآخرين ينتظرونك.
رابعًا: استخدم وسائل التذكير.
قد يكون سبب التأخر أحيانًا مجرد النسيان. ضع تنبيهًا في هاتفك قبل الموعد بوقت كافٍ، حتى تستطيع الاستعداد والانطلاق دون عجلة.
خامسًا: إذا اضطررت إلى التأخر… أخبر من ينتظرك.
قد تحدث ظروف خارجة عن إرادتك، كازدحام مفاجئ أو أمر طارئ. في هذه الحالة، لا تترك الطرف الآخر في دائرة الانتظار والتخمين، بل اتصل به وأخبره بتأخرك والوقت المتوقع لوصولك.
فحتى الاعتذار المبكر صورة من صور احترام الوقت.
كما نحب أن يحترم الآخرون أوقاتنا، ينبغي أيضًا أن نتحلى بالهدوء حين يقع منهم التأخير.
لا تجعل دقائق الانتظار تتحول إلى غضب يفسد يومك.
استثمرها في قراءة صفحات من كتاب، أو متابعة شيء مفيد، أو إنجاز مهمة صغيرة كنت تؤجلها.
وإذا طال الانتظار، فاتصل بصديقك لتطمئن وتسأل عن موعد وصوله.
وحين يحضر، أعطه فرصة ليشرح سبب تأخره؛ فقد يكون وراء التأخير ظرف لم يكن في الحسبان.
فالانضباط لا يعني القسوة، كما أن التسامح لا يعني أن تصبح المواعيد بلا قيمة.
تذكّر دائمًا أن أوقات الناس غالية، وأن العمر في حقيقته ليس إلا أيامًا وساعات ودقائق.
فلا تهدر وقتك، ولا تهدر أوقات الآخرين.
واجعل من الالتزام بالمواعيد عادةً تعبّر عن شخصيتك واحترامك ومسؤوليتك.
فربما تكون الدقائق التي يستهين بها البعض هي الدقائق نفسها التي يصنع فيها آخرون إنجازًا كبيرًا.
احضر في موعدك…
فاحترام الوقت من أجمل صور احترام الإنسان.














