آخر تحديث: 19 / 9 / 2026م - 12:39 م

السوبرماركت أم التطبيقات؟

الدكتور ماهر آل سيف *


لم تعد المنافسة اليوم بين سوبرماركت وآخر، بل بين عربةٍ ندفعها بأيدينا، وتطبيقٍ نحمله في أيدينا؛ الأولى تحتاج وقتًا ومشوارًا، والثانية تحتاج نقرةً وانتظارًا، وبين المشوار والنقرة قد تتغيّر ميزانية الأسرة من غير انتباه ولا حساب.

لا شك أن تطبيقات التوصيل قدّمت خدمة عظيمة؛ وفّرت الوقت، واختصرت الطريق، وخدمت الكبير والمريض والمشغول. بل إن سهولة التوصيل أصبحت من المحركات المهمة للشراء الإلكتروني في السعودية، مع تزايد إقبال المستهلكين على السرعة والراحة.

لكن المشكلة ليست في التطبيق، بل في تحوّل الراحة من وسيلة إلى عادة، ومن حاجة إلى عادة، ومن طلب محسوب إلى إنفاق مفتوح.

خذ مثالًا بسيطًا: أسرة تحتاج حليبًا وخبزًا وبيضًا بقيمة 55 ريالًا. في السوبرماركت قد تنتهي الفاتورة عند هذا الحد أو تزيد قليلًا، أما في التطبيق فقد تدخل رسوم توصيل وخدمة، ثم يظهر: أضف 20 ريالًا لتحصل على توصيل مجاني! فيتحول طلب ال 55 إلى 80 أو 90 ريالًا؛ فنربح التوصيل المجاني، ونخسر عشرات الريالات في أشياء لم تكن أصلًا على القائمة.

والخطر الأكبر ليس في الطلب الكبير، بل في الطلبات الصغيرة المتكررة. طلب بـ 70 ريالًا اليوم، و 45 غدًا، و 80 بعد يومين. لو تكرر ذلك عشر مرات في الشهر بزيادة غير مخططة قدرها 15 ريالًا فقط في كل طلب، فهذه 150 ريالًا شهريًا، و 1,800 ريال سنويًا؛ وكلها مبالغ صغيرة تسللت من باب الراحة.

وفي السوبرماركت ترى السلعة وتقارن سعرها وحجمها وبديلها، أما في التطبيق فقد تكون المقارنة أسرع، لكن الإغراء كذلك أسرع: عروض، اقتراحات، منتجات مكملة، وحد أدنى للطلب. هنا يصبح الهاتف أحيانًا مندوب مبيعات في جيبك لا ينام.

الحل ليس مقاطعة التطبيقات، ولا إضاعة الوقت في كل حاجة؛ بل جعلها أداةً لا عادة: قائمة أسبوعية، طلب مجمّع، مقارنة أسعار، وتقليل الطلبات الطارئة.

فالراحة لها قيمة، ومن حقنا أن نشتريها؛ لكن الحكمة أن نعرف كم دفعنا مقابلها. لأن أخطر المصروفات ليست دائمًا الكبيرة التي نراها، بل الصغيرة التي تمرّ كل يوم فلا نحسبها، حتى نجمعها آخر الشهر… فنجد أن الذي وصل إلى باب المنزل لم يكن الطعام وحده، بل وصلت معه فاتورة الراحة.