آخر تحديث: 20 / 9 / 2026م - 11:05 م

من جزيرة تاروت إلى الوطن الكبير

محمد الصغير


حين يأتي اليوم الوطني لا نستطيع أن نتحدث عن الوطن باعتباره مجرد مساحة من الأرض نعيش فوقها فالوطن بالنسبة لنا أكبر من ذلك بكثير إنه الذكريات الأولى والطفولة التي عشناها والأماكن التي كبرنا فيها والوجوه التي عرفناها والحكايات التي لا تزال تسكن ذاكرتنا مهما ابتعد بنا العمر.

وفي هذه المناسبة الغالية أجد نفسي أعود بذاكرتي إلى جزيرة تاروت الأرض التي تربينا وترعرعنا فيها تلك الجزيرة التي أحاطتنا بمياه بحرها واحتضنتنا نخيلها وجمعتنا محبة أهلها وطيبة ناسها.

تاروت بالنسبة لأبنائها ليست مجرد جزيرة بل هي جزء من الروح وجزء من الحكاية وهي في الوقت نفسه جزء عزيز من وطن أكبر وأغلى هو المملكة العربية السعودية أرض الحرمين الشريفين وأرض الكرامة والأمن والأمان.

ومن تلك الجزيرة التي أحببناها وعشنا تفاصيلها نرى اليوم وطننا الكبير وهو يمضي بثقة نحو المستقبل وطنًا تغير كثيرًا خلال العقود الماضية وكبرت معه طموحات أبنائه واتسعت أحلامهم.

ولعل أجمل ما نراه اليوم أن إنجازات المملكة لم تعد مجرد أحلام نتحدث عنها بل أصبحت واقعًا نراه في العلم والعمل والاقتصاد والتقنية والرياضة وفي مجالات كثيرة أصبح فيها أبناء الوطن ينافسون ويحققون النجاحات ويرفعون اسم المملكة بكل فخر.

وعندما أتأمل هذا التغير أتذكر أحد الأشياء التي رافقتنا نحن وأجيالًا كثيرة قبلنا وما زالت حاضرة في كل مناسبة وطنية وهو النشيد الوطني.

فمنذ أن عرفنا أنفسنا ونحن نردد:

سارعي للمجد والعلياء

مجدي لخالق السماء

وكنا نرددها في مدارسنا وطوابيرنا الصباحية ومناسباتنا الوطنية والرياضية وربما لم نكن ونحن صغار ندرك كل معانيها لكننا كنا نشعر بالفخر ونحن نقف ونرددها معًا.

ومع مرور السنوات أصبحت هذه الكلمات جزءًا من ذاكرتنا ووجداننا وأصبح من الصعب أن نسمعها دون أن تعود بنا إلى أيام جميلة وذكريات لا تنسى.

ولذلك فإن الحديث عن النشيد الحالي لا يمكن أن يكون إلا بكل تقدير واحترام فهو نشيد جميل يحمل معاني الاعتزاز بالدين والوطن والمجد والعلياء وسيبقى عزيزًا على قلوب أجيال عاشت معه ورددته في مختلف مراحل حياتها.

لكن في يوم الوطن تحديدًا قد يكون من الجميل أن نطرح سؤالًا للمستقبل.

أما آن الأوان لأن نفكر في نشيد وطني جديد يعبّر عن المملكة العربية السعودية اليوم وعن طموحات أجيالها القادمة؟

وليس المقصود من ذلك أن النشيد الحالي لم يعد جميلًا أو أنه فقد مكانته على العكس تمامًا فهو جزء من تاريخنا وذاكرتنا وسيبقى عزيزًا علينا لكن لكل مرحلة طموحاتها ولغتها وأحلامها.

فعندما كُتبت كلمات النشيد الحالي كانت المملكة في مرحلة مختلفة من تاريخها وكانت تطلعاتها مرتبطة بظروف تلك المرحلة أما اليوم فقد تغير الكثير وأصبحت المملكة تعيش مرحلة جديدة من الإنجاز والطموح وأصبحت أمام أجيالها آفاق واسعة وأحلام أكبر.

وعبارة ”سارعي للمجد والعلياء“ ستبقى جميلة في معناها وستظل جزءًا من تاريخنا وذاكرتنا لكنها تفتح أمامنا سؤالًا آخر.

هل يمكن أن يأتي يوم تكون فيه كلمات نشيدنا الوطني معبرة بصورة أكبر عن وطن حقق الكثير وأصبح يتطلع إلى آفاق أبعد؟

فالمملكة اليوم ليست كما كانت قبل أكثر من أربعة عقود وأجيالها الجديدة تكبر في وطن مختلف وترى أمامها فرصًا وطموحات لم تكن متاحة للأجيال السابقة.

وربما نحتاج في المستقبل إلى نشيد يخاطب الطفل السعودي الذي يعيش اليوم في هذا الوطن ويشعر أنه يتحدث عن أحلامه وطموحاته نشيد يحمل معاني العلم والعمل والإنجاز والانتماء ويعبر عن وطن يعتز بتاريخه ويعيش حاضره بثقة وينظر إلى غده بأمل وطموح.

وقد يكون من الجميل أن يكون النشيد الجديد امتدادًا لمشاعرنا الوطنية نفسها لا قطيعة مع الماضي فالتجديد لا يعني النسيان والاعتزاز بما كان لا يمنعنا من التفكير فيما سيكون.

وربما لهذا السبب أرى أن طرح فكرة تغيير النشيد الوطني يمكن أن يكون مجرد نقاش وطني هادئ حول رمز مهم من رموزنا وهل حان الوقت لأن تواكب كلماته المرحلة الجديدة التي تعيشها المملكة.

وفي يوم الوطن لا نملك إلا أن نرفع أجمل التهاني وأصدق الدعوات إلى مقام خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين حفظهما الله وإلى شعب المملكة الكريم الذي كان وما زال شريكًا في هذه المسيرة.

نسأل الله أن يحفظ المملكة العربية السعودية وأن يديم عليها أمنها وأمانها وأن يبارك في قيادتها وشعبها وأن يواصل وطننا مسيرته نحو مزيد من التقدم والازدهار وأن تكون الأجيال القادمة شاهدة على إنجازات أكبر وأجمل.

ومن جزيرة تاروت التي أحببناها وعشنا بين بحرها ونخيلها وأهلها الطيبين نقول بكل فخر..

كل عام ووطننا بخير

كل عام والمملكة العربية السعودية أرض الكرامة والعز والمجد أكثر قوة وازدهارًا

وكل عام ونحن نفتخر بأننا أبناء هذا الوطن الكبير…