آخر تحديث: 20 / 9 / 2026م - 11:23 ص

ترمب استبدل صقراً بصقر: وارش يرفع الفائدة مُقدماً التفويض على رغبة الرئيس

الدكتور إحسان علي بوحليقة * صحيفة مال

لم تعد المسألة افتراضية. فعندما رُشح كيفن وارش لرئاسة مجلس الاحتياطي الفدرالي، ثم تسلم رئاسته في 22 مايو 2026، قرأ كثير من المستثمرين الاختيار من خلال عدسة واحدة: رئيسٌ جديد عيّنه دونالد ترامب بعد حملة مستمرة للمطالبة بخفض سريع لأسعار الفائدة، فلا بد أن يكون أكثر استعداداً للاستجابة لرغبة البيت الأبيض من سلفه جيروم باول. وثبت أن تلك القراءة كانت متعجلة؛ إذ أن سجل وارش ونظرته إلى التضخم والاستقلال المؤسسي لا ينسجمان مع صورة رئيس «حمامة» يخفض الفائدة كلما ارتفعت الضغوط السياسية.

وقد جاء قرار لجنة السوق المفتوحة في 16 سبتمبر ليختبر هذه الفرضية. فقد رفعت اللجنة، بإجماع اثني عشر عضواً، النطاق المستهدف لسعر الأموال الفدرالية بمقدار ربع نقطة مئوية إلى 3.75%-4.00%. ولم تقدم اللجنة القرار باعتباره استجابة لتقلبات الأسواق أو لرغبات السلطة التنفيذية، بل ربطته صراحة بتفويضها المزدوج: دعم أقصى قدر من التوظيف واستعادة استقرار الأسعار. وأكد بيانها أن النشاط الاقتصادي ينمو بوتيرة متينة، وأن الإنفاق المحلي مرن، والاستثمار الرأسمالي قوي، وسوق العمل متماسك، فيما يظل التضخم مرتفعاً؛ ولذلك رأت أن رفع الفائدة يدعم عودة أسرع إلى هدف التضخم البالغ 2 بالمائة، وفي كل هذا لا محل للرغبات بل لما تقوله البيانات.

وهذا هو المعنى الدقيق لوصف وارش بأنه صقر في الظرف الراهن. فالصقر ليس محافظاً مركزياً يرفع الفائدة في كل الأحوال، ولا من يرفض الخفض من حيث المبدأ. إنما هو من يقدّم استقرار الأسعار ومنع ترسخ التضخم على المكاسب السياسية أو السوقية الآنية، ويطلب دليلاً مقنعاً على انحسار الضغوط السعرية قبل الانتقال إلى التيسير. ولو تراجع التضخم بصورة مستدامة أو ضعف سوق العمل على نحو واضح، فإن خفض الفائدة في ظل هذا المنهج يصبح قراراً متسقاً مع التفويض لا تنازلاً عنه. أما الخفض في بيئة تضخم مرتفع ونمو واستثمار قويين، لمجرد تخفيف كلفة التمويل، فهو استبدال للتحليل النقدي بالرغبة السياسية.

وتدعم التوقعات الرسمية للجنة هذه القراءة. فقد رفعت الوسيط المتوقع لتضخم نفقات الاستهلاك الشخصي لعام 2026 إلى 3.7%، مقابل 3.6% في توقعات يونيو، ورفعت في الوقت نفسه توقع النمو الحقيقي إلى 2.3% من 2.2%، بينما خفضت توقع البطالة إلى 4.1% من 4.3%. كما ارتفع الوسيط المتوقع لمسار سعر الفائدة في نهاية 2026 إلى 4.1%، من 3.8% في يونيو. وهذه ليست حقائق متحققة عن المستقبل، بل توقعات مشروطة صادرة عن أعضاء اللجنة؛ لكنها تبين أن قرار الرفع لم يصدر في اقتصاد يتجه بوضوح نحو ركود أو تضخم منخفض، بل في اقتصاد ترى اللجنة أن ضغوطه السعرية ما زالت تتطلب إزالة جزء من التيسير النقدي.

وفي المقابل، أعاد الرئيس ترمب، في يوم القرار نفسه، تأكيد دعوته إلى أن تنخفض الفائدة إلى 1 بالمائة أو أقل وأن يتم ذلك سريعاً! وتوجد بين الموقفين رؤيتان مختلفتان لوظيفة الفائدة؛ فالرئيس ينظر إليها من زاوية كلفة رأس المال، وجاذبية الاستثمار، وكلفة خدمة الدين، وهي اعتبارات اقتصادية وسياسية مفهومة. أما البنك المركزي فينظر إليها، بحكم تفويضه، من زاوية أوسع: هل تتوافق الأوضاع النقدية مع استقرار الأسعار وسوق عمل متوازن؟ ولا يصح أن تتحول أهمية الاستثمار في المصانع والبنية الأساسية ومراكز البيانات إلى مبرر لتجاهل كلفة تضخم أكثر رسوخاً؛ لأن التضخم المرتفع يرفع في النهاية علاوة المخاطر، ويشوّه قرار الادخار والاستثمار، ويجعل التمويل طويل الأجل أقل يقيناً لا أكثر جاذبية.

ولا ينبغي أيضاً تصوير القرار على أنه مواجهة شخصية بين وارش وترامب. فالقرار صدر بالإجماع، لا بقرار فردي من الرئيس الجديد، كما أن استقلال الاحتياطي الفدرالي لا يعني غياب النقاش بين السلطة التنفيذية والبنك المركزي، بل يعني ألا يكون مسار الفائدة نتيجة لأوامر سياسية. وتكمن أهمية قرار سبتمبر في أنه أظهر عملياً أن رئيس اللجنة الذي رشحه الرئيس لا يتخلى عن معيار التضخم والتفويض القانوني عندما يتعارض ذلك مع التفضيل السياسي المعلن. وهذه دلالة مؤسسية أقوى من أي خطاب عن الاستقلالية.

كما أن استبدال باول بوارش لا يعني تماثلاً كاملاً بين الرجلين في كل الملفات. فقد يختلفان في طريقة التواصل، وحجم الميزانية العمومية، وتنظيم القطاع المالي، ودور الاحتياطي الفدرالي خارج نطاق السياسة النقدية. لكن قرار 16 سبتمبر أثبت تقارباً جوهرياً في النقطة الأكثر حساسية: لا تُضبط الفائدة لإرضاء الرئيس، بل وفق قراءة متكاملة للبيانات والتوقعات ومخاطر الانحراف عن هدف استقرار الأسعار. ومن هذه الزاوية، يصح القول إن ترامب استبدل صقراً بصقر، لا لأن وارش يفضّل التشديد دائماً، بل لأن أول اختبار حقيقي وضعه أمام خيار واضح بين خفضٍ سياسي مرغوب ورفعٍ يراه أعضاء اللجنة مستنداً للبيانات، فاختار مع اللجنة ما اعتبرته ضرورياً لتحقيق التفويض.

وهناك بُعد اجتماعي يغيب كثيراً عن الجدل الدائر حول الفائدة. فقرار رفعها، في بيئة تضخم لا يزال مرتفعاً ونشاط اقتصادي وسوق عمل متماسكين، لا يخدم أصحاب الأصول أو المؤسسات المالية وحدهم؛ بل يحمي، في المقام الأول، القوة الشرائية للشريحة الأكثر احتياجاً. فالأسر محدودة الدخل تنفق نسبة أكبر من دخلها على الغذاء والسكن والطاقة، وتملك قدرة أقل على التحوط من ارتفاع الأسعار أو تحويل مدخراتها إلى أصول تحافظ على قيمتها. ولذلك فإن ترك التضخم يترسخ بحجة تخفيض كلفة الاقتراض يحمّل هذه الشريحة ضريبة خفية ومتكررة، تتمثل في تآكل الأجر الحقيقي والقدرة على الإنفاق على الضروريات.

ولا يعني ذلك أن رفع الفائدة بلا كلفة؛ فالتشديد المفرط قد يضعف التوظيف ويرفع عبء الاقتراض، وهما أثران يمسان الأسر نفسها. لكن وظيفة السياسة النقدية الرشيدة هي الموازنة بين هذين الخطرين، لا اختيار أحدهما بصورة آلية. وفي الظروف التي وصفتها اللجنة، يصبح التحرك المحدود لاستعادة استقرار الأسعار حمايةً للأجر الحقيقي والادخار الصغير ولليقين الذي تحتاجه الأسر في تدبير معيشتها، أكثر منه استجابة لمصلحة الأسواق. ومن هذه الزاوية، فإن عمل ما تقتضيه البيانات والتفويض القانوني ليس تعارضاً مع مصلحة الشريحة الأكثر احتياجاً، بل هو شرط لحمايتها من الكلفة الأشد والأطول أمداً للتضخم المستمر.

وهكذا، فالرسالة الأوسع للأسواق ليست أن دورة تشديد طويلة أصبحت حتمية، ولا أن الفائدة لن تنخفض لاحقاً. فالسياسة النقدية بطبيعتها مشروطة بالبيانات، وقد يتغير المسار إذا انخفض التضخم أو تغيرت أوضاع سوق العمل. لكن الرسالة هي أن توقعات الفائدة ينبغي ألا تُبنى على قرب رئيس الاحتياطي من الرئيس أو على رغبات البيت الأبيض. وأي رئيس لسلطة نقدية يُظهر أنه قادر على اتخاذ القرار غير المريح سياسياً عندما تقتضيه البيانات يعزز، لا يضعف، الثقة في العملة وفي سياسة نقدية قابلة للتنبؤ.

كاتب ومستشار اقتصادي، رئيس مركز جواثا الاستشاري لتطوير الأعمال، عضو سابق في مجلس الشورى