آخر تحديث: 5 / 10 / 2026م - 11:22 م

اقتصاد المبالغ الصغيرة: كيف يتسرب راتبك من بين أصابعك؟

يعقوب السليس *


صديق لي: موظف في شركة خاصة، جلس معي قبل أسابيع يشتكي من ”أزمة“ آخر الشهر. قال لي بلهجته المعتادة: ”والله يا أبو صادق، ما أدري وين يروح الراتب. ما اشتريت شي يستاهل، ولا سافرت، ولا دفعت إيجار الشقة.. بس أفتح حسابي في البنك آخر الشهر ألقى الرصيد رايح فيها وما أدري ليش!“.

ضحكت يومها من طريقته في الكلام، لكن الحقيقة أن كلامه مسّ شيئًا يعيشه كثيرون منا ولا يجرؤون على البوح به بهذه الصراحة.

الراتب ينزل في موعده، فنفتح التطبيق، نرى الرقم، ونبدأ في أذهاننا ترتيب الالتزامات: الإيجار، القسط، الفواتير، وربما - إن حالفنا الحظ - مبلغ صغير للادخار. ثم بعد أسبوعين أو ثلاثة، نعيد فتح التطبيق فنُصدم: الرصيد أقل بكثير مما توقعنا، ولا نتذكر أننا اشترينا شيئًا ”يستحق“ هذا الفارق.

فأين ذهب المال؟ هل تبخّر؟!

في أغلب الأحيان لم يذهب في عملية واحدة كبيرة، بل تسرّب على دفعات صغيرة متلاحقة، كل واحدة منها بدت في وقتها تافهة جدًا بحيث لا تستحق حتى التوقف عندها.

القهوة وحدها لا تُفلس أحدًا

خذ مثالاً بسيطًا قد يشبه حال كثير منا: موظف يبتاع قهوته قبل الدوام خمسة أيام في الأسبوع، بسعر يقارب 18 ريالاً للكوب. مبلغ زهيد، لا يستدعي حتى رفة عين. لكن اجمعه: 18 ريالاً × 5 أيام × 4 أسابيع، يقترب من 360 ريالاً في الشهر. وإن أضاف كرواسون، أو طلبها أحيانًا عبر تطبيق توصيل، ارتفع الرقم أكثر.

والقضية هنا ليست أن القهوة ”حرام“، أو أن على أحد أن يحرم نفسه منها. القضية أن مصروفًا صغيرًا كهذا لا يُسجَّل في أذهاننا كالتزام مالي حقيقي، رغم أنه يتكرر عشرات المرات شهريًا.

وينسحب الأمر نفسه على أشياء كثيرة نمر عليها دون أن نفكر مرتين: مشتريات بقالة صغيرة، وجبة سريعة بعد العمل، رسوم توصيل، بل حتى اشتراك نسينا أصلاً أننا فعّلناه يومًا ما.

كل واحدة منفردة لا تُذكر، لكن الراتب لا يتعامل معها منفردة، بل يتعامل معها مجتمعة في آخر الشهر.

حين يتحول ”التوصيل“ إلى عادة

ولنأخذ مثالاً آخر: أسرة تطلب الطعام عبر تطبيقات التوصيل مرتين أو ثلاثًا أسبوعيًا. الطلب الواحد بـ 70 أو 90 ريالاً يبدو معقولاً، خصوصًا حين يكون البديل هو الطبخ أو الخروج من البيت. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول هذا من استثناء إلى عادة راسخة. بمتوسط 85 ريالاً للطلب، أربع مرات أسبوعيًا، نتحدث عن نحو 1,360 ريالاً شهريًا، أي ما يزيد على 16 ألف ريال في العام، من ”طلبات“ لا نكاد نتذكر أغلبها.

والغريب أن الوجبة نفسها ليست دائمًا سبب الارتفاع، بقدر ما هي رسوم التوصيل ورسوم الخدمة والإضافات الصغيرة التي لم تكن ضمن الخطة أصلاً. وكم مرة أضفنا صنفًا لا نحتاجه فقط لنصل إلى الحد الأدنى المطلوب لـ ”التوصيل المجاني“، وكأننا ندفع أكثر لنشعر أننا وفّرنا!

والأدهى أن كثيرًا من المطاعم ترفع أسعارها المدرجة داخل تلك التطبيقات أصلاً لتعوض العمولة التي تقتطعها منها المنصات، والتي قد تصل في بعض الحالات إلى 50% من قيمة الطلب.

لم نعد نشعر بألم الدفع

وهنا ندخل إلى جزء أكثر إثارة في الحكاية.

هناك مفهوم معروف في الاقتصاد السلوكي يسمى ”ألم الدفع“ ”Pain of Paying“. والفكرة في جوهرها بسيطة: عندما ندفع نقدًا، نشاهد المال وهو يغادر أيدينا. إخراج ورقة المئة ريال من المحفظة يترك أثرًا نفسيًا يختلف عن تمرير بطاقة، أو تقريب هاتف، أو الضغط على زر ”ادفع الآن“.

الدفع لم يعد يؤلم كما كان.

وتشير دراسات في سلوك المستهلك إلى أن وسائل الدفع الأقل احتكاكًا يمكن أن تقلل الإحساس النفسي بكلفة الشراء، وأن النقد يجعل لحظة الدفع أكثر وضوحًا في الذهن من وسائل الدفع غير النقدية.

وهذا الأمر يكتسب أهمية أكبر لدينا في السعودية تحديدًا. فبحسب البنك المركزي السعودي ”ساما“، وصلت حصة المدفوعات الإلكترونية إلى نحو 85% من إجمالي عمليات الدفع للأفراد في المملكة خلال عام 2025.

أي أننا، حرفيًا تقريبًا، لم نعد نرى معظم المال الذي ننفقه.

لا محفظة تنقص أوراقها أمام أعيننا، ولا صندوق نقود نفتحه آخر الشهر لنرى ما تبقى فيه. عشرات العمليات الصغيرة تمر بصمت: 18 ريالاً هنا، و 27 هناك، و 46 في مكان آخر. لا واحدة منها مخيفة بمفردها، لكن مجموعها قد يكون كذلك.

اشتراكات ننسى أننا ندفع ثمنها

وهناك نوع آخر من الإنفاق، أكثر هدوءًا وأصعب ملاحظة: الاشتراكات الشهرية.

منصة أفلام، تطبيق موسيقى، مساحة تخزين سحابية، عضوية نادٍ رياضي لم تعد تطأه قدماك منذ أشهر. كل واحدة بمفردها 14 أو 30 أو 45 ريالاً، لا تستحق التوقف عندها.

لكن ستة اشتراكات بمتوسط 35 ريالاً تعني نحو 210 ريالات شهريًا، أي ما يزيد على 2,500 ريال في السنة، تُخصم تلقائيًا حتى بعد أن نتوقف عن استخدام الخدمة أصلاً.

وهذا ليس إسرافًا بالمعنى المتعارف عليه، بل ربما يكون أخفى منه: مبالغ صغيرة جدًا بحيث لا نراها، وهذا بالضبط ما يجعلها تنجو من المحاسبة.

باقة الجوال.. و”الولاء“ الذي لا يُرَدّ

ومن أكثر النفقات التي نتغافل عن مراجعتها فاتورة الجوال والإنترنت. والسؤال الذي نادرًا ما نطرحه على أنفسنا: هل نحتاج فعلاً كل ما اشتركنا فيه؟

في الغالب، لا.

كثيرون يبقون على الباقة نفسها سنة بعد أخرى دون إعادة حساب، وكثيرون يتمسكون بالمشغل نفسه بدافع ما يسمونه ”الولاء“، رغم أن المشغل ذاته كثيرًا ما يقدم لغير عملائه عروضًا أفضل مما يحصل عليه عملاؤه القدامى!

والمفارقة أن هذا ”الولاء“ - كحال كثير من ”الولاءات“ في حياتنا - غير متبادل من الطرف الآخر أصلاً.

ومن تجارب شخصية لي ولآخرين، فإن مجرد التفكير جديًا في الانتقال إلى مشغل آخر، أو التفاوض على تخفيض الباقة إلى فئة أدنى، قد يوفر ما يصل إلى 30% من كلفتها.

جرّبها بنفسك، والنتيجة قد تفاجئك.

كان عليه خصم

ومن أكثر الجمل التي تُفرغ المحفظة دون أن نشعر:

”كان عليه خصم“.

تفتح تطبيقًا فتجد سماعة بـ 199 ريالاً بدل 299، أو قطعة ملابس بخصم 40%، أو جهازًا لم تكن تخطط لشرائه أصلاً لكن العرض ”ينتهي الليلة“.

فتشتري.

حسابيًا، أنت وفّرت 100 ريال. لكن ماليًا، أنفقت 199 ريالاً لم تكن تنوي إنفاقها أساسًا.

وهذا هو الفرق الجوهري بين التوفير الحقيقي وبين دفع مبلغ أقل مقابل شيء لم تكن تحتاجه أصلاً.

فليس كل خصم توفيرًا؛ بعضه ليس إلا أداة إقناع أتقن صانعوها صياغتها.

فما الحل؟

ليس المطلوب أن تتوقف عن شرب القهوة، ولا أن تلغي كل ”طلعة“ مع الأصدقاء، ولا أن تتحول حياتك إلى جدول حسابات مرهق.

الفكرة أبسط من ذلك بكثير: أن تعرف أين يذهب مالك قبل أن يختفي، لا بعد أن يختفي.

جرّب لمدة شهر واحد فقط أن تراجع كشف حسابك الفعلي، لا ما تتذكره من ذاكرتك، فالذاكرة في هذا الباب خؤون.

ابحث عن العمليات المتكررة: كم أنفقت على المطاعم؟ كم مرة استخدمت تطبيقات التوصيل؟ كم اشتراكًا نشطًا لديك فعلاً؟ كم دفعت على مشتريات صغيرة لم تعد حتى تتذكرها؟

قد تكتشف أن المشكلة لم تكن في راتبك كما ظننت، بل في عشرات القرارات الصغيرة التي لم تكن تراها مجتمعة من قبل.

ومن الأخطاء الشائعة بعد هذا الاكتشاف أن يقرر المرء إلغاء كل شيء دفعة واحدة، فلا يلبث أن يعود إلى عاداته القديمة بعد أسبوعين. والأجدى أن يختار أكبر مصدرين أو ثلاثة من الإنفاق غير الضروري، ويبدأ بهما فقط.

وقاعدة بسيطة تنفع كثيرًا: أي شراء غير ضروري لا يُنفَّذ فورًا، بل ينتظر 48 ساعة. أحيانًا تكتشف بعدها أنك ما زلت تريده، وأحيانًا كثيرة تكتشف أنك لم تكن تحتاجه أصلاً.

الراتب ليس المشكلة دائمًا

من السهل أن نقول إن الراتب لم يعد كافيًا، وهذا صحيح في حالات كثيرة مع ارتفاع تكاليف المعيشة.

لكن المشكلة في حالات أخرى لا تكمن في مقدار ما نكسبه، بل في الطريقة التي يتوزع بها.

شخصان براتب متطابق قد ينتهي بهما الحال في وضع مالي مختلف تمامًا بعد سنة كاملة. أحدهما لا يحرم نفسه من شيء، لكنه يعرف أين يذهب ماله. والآخر يعيش بالطريقة نفسها تقريبًا، لكنه لا يراقب ”المبالغ البسيطة“ لأنها في نظره لا تستحق المتابعة.

والفرق بينهما بعد اثني عشر شهرًا قد يكون آلاف الريالات.

وفي النهاية، لسنا بحاجة إلى حساب ثمن كل قطعة ”كرواسون“، ولا إلى الشعور بالذنب بعد كل كوب قهوة. فالمال جزء طبيعي من الحياة، والإنفاق أمر طبيعي أيضًا.

لكن هناك فرقًا كبيرًا بين أن تنفق لأنك اخترت ذلك فعلاً، وبين أن تنفق لأنك اعتدت عليه ولم تعد تلاحظه أصلاً.

وهذا بالضبط ما يدعو إليه ميزان الإنفاق الذي وصفه القرآن الكريم حين وصف عباد الرحمن بقوله تعالى:

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾

فالمطلوب ليس التقتير ولا الحرمان، وإنما ”القوام“: أن تنفق بوعي، لا أن تنفق بعادة.

فربما لا تحتاج إلى راتب أكبر لتشعر أن وضعك المالي تحسّن. ربما تحتاج فقط إلى أن تعرف أين يذهب الراتب الذي بين يديك الآن.

فالثروة لا تضيع غالبًا في قرار كبير واحد، بل تتسرب من بين أصابعنا في قرارات صغيرة جدًا نكررها كل يوم، حتى نصل آخر الشهر فنكتشف أن تلك ”المبالغ البسيطة“ لم تكن بسيطة على الإطلاق.

على الهامش…

يُحكى أن رجلاً سأل صديقه:

”وش سالفة راتبك، تراك كل شهر تقول مفلّس؟“.

فرد عليه:

”والله ما أدري، بس عندي نظرية: الراتب مثل الثلج.. من فوق تحس إنه قطعة كبيرة، وآخر الشهر تلقاه ذاب ولا بقى منه إلا قطرة!“