آخر تحديث: 21 / 9 / 2026م - 9:32 م

الفردانية المتوحشة أزمة إنسانية «2»

من تضخم الأنا إلى التكافل الإنساني


وإذا ما نظرنا إلى القرآن الكريم وما يتضمنه من توجيهات وإرشادات تربوية وأخلاقية، نجد تعاليمه تتوافق مع الفطرة السليمة الداعية في العلاقات الاجتماعية إلى استشعار آلام وحاجات الناس من حوله، قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر: الآية 9]؛ فيجعل من تجاوز حب الذات بنحو التأليه والعظمة أحد أبواب الارتقاء الإنساني، فتبلد الوجدان تجاه الآخرين يعني تخلياً عن الإنسانية الجميلة في أجمل أوجهها.

كما تقرر التعاليم الإسلامية في الجانب الاجتماعي وجها حضاريا مشرقا يرسم معالم العلاقات المتينة والراسخة والقوية، وذلك من خلال إرساء منظومة الحقوق مع مختلف الطبقات الأسرية والاجتماعية؛ فمراعاتها تعني الموازنة بين خط العمل على تحقيق أهدافه وطموحاته من جهة، كما أنه غير منقطع عن محيطه الاجتماعي في التواصل معه تقديم المساندة ما أمكن.

وهذا ما يصنع إنسانا مستقلا لا يذوب في الجماعة حد التلاشي، ومسؤولا يتحمل العمل مع الغير خارج دائرة خصوصياته وطموحاته الخاصة في آن واحد.

فحفظ كرامته ومكانته حق أصيل لا ينازعه فيه أحد ولا يمكن قبول أي تجاوز يقلل من شأنه، فحق الاحترام لذاته وللآخرين هو صمام الأمان لعلاقات ناجحة ومثمرة، يُحافظ فيها على ميثاق المودة والثقة والتعاون بعيدا عن المساحات الضيقة للتجاوز على الغير وأساليب ”الضرب تحت الحزام“ المقنعة.

ولكن الفردانية المتوحشة الناشئة من تضخم الأنا والفكر المتأطر بالمصالح قد تحول العلاقات الأسرية إلى ساحة خصام ومشاحنة، وذلك بسبب تجاوز خطوط الاحترام والتقدير والبحث في مختلف المواقف عن الحسابات الشخصية، قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً [الروم الآية 21].

وهذا يشير إلى مبدأ النجاح والتألق والاستمرارية في العلاقات الزوجية، من خلال اعتماد مبادئ وقيم تتجاوز منطق الربح والخسارة وتحويل العش الزوجي إلى حلبة صراع يُسجَّل فيها نقاط القوة وتحقيق الانتصار الوهمي.

وعلى مستوى العلاقات الاجتماعية، يؤكد الإمام الصادق معنى الأخوة حين يقول: ”المؤمن أخو المؤمن“ [الكافي ج 2 ص 166]؛ فجعل من تلك العلاقة ما يحمل معاني الأخوة بما تعنيه من ثقة ونصرة ووفاء ومسؤولية. وهذا يفرز هذه القيمة الإنسانية الجميلة عن اتجاه وإفرازات تأليه الذات ولو كان ذلك على حساب تجريح وإيلام الآخرين؛ فإن أخطر ما تفعله الفردانية ليس أنها تجعل الإنسان يحب ذاته ويعمل على صيانتها من الزلل والسقوط في هاوية التقصير وضغف الإرادة وارتكاب الأخطاء — كيف وهي عماد مسيرته في طريق التكامل والإنجاز وتحقيق تطلعاته وطموحاته — بل إنها قد تجعله عاجزاً عن تجاوز ذاته والتقوقع حول نفسه ورغباته حين يحتاج الآخر إلى مساعدته ومشاركته وجدانيا.

وعندما يتبين لنا مفهوم الفردانية وارتداداتها السلبية على المستوى الذاتي والاجتماعي، فيمكننا تعدادها في خانة الآفات التي ينبغي مواجهتها في مشروع تربية قبل أن تكون مواجهة ثقافية؛ إذ يتلقى العقل الواعي تصورا شاملا لهذه الآفة والعوامل المؤثرة في تجذرها في النفس كالأهواء وتأليه الذات، فينطلق الفرد في منهجية مجاهدة وتهذيب تلك الأهواء، وتعظيم المسؤولية الملقاة على عاتقه في هذا الميدان، وهذا هو عين الغاية من العبادات التي افترضها الباري عز وجل على عباده لتنقية نفوسهم من الآفات والرذائل؛ فالعبادة ليست انفصالا عن الحياة وتقوقعا حول الذات، وإنما هي قوة تهذب الأنا وتُعيد الإنسان إلى موقعه الحقيقي كعبد لله تعالى.