حين يسقط قناع الكذب… للحقيقة موعد لا تخطئه

كثيرة هي المواعيد التي لا تخطئ أصحابها، وفية في أحلك الظروف، ناصعة الوضوح كالقمر حين يطل بدرًا في سماء الليل الأسود.
وحين تتلبس الأقنعة تكون قد وضعت نفسها في دروب الريبة والشك، وتسلك مسالك الخزي والعار. والحقيقة واحدة من تلك المواعيد التي تنير الحياة بصراحتها، وتضيق الخناق على الزيف والكذب الذي غالبًا ما يكون حبله قصيرًا، مهزوزًا وضعيفًا، فتفوز عليه عشرات المرات دون أن تخطئ أو تضل أو تنسى أو تغفل.
فليس للكذب عمر طويل، وإن امتد به الزمن أيامًا وشهورًا وسنين؛ فهو يعيش على قلق صاحبه، ويتكئ على ذاكرة مرهقة، ويحتاج في كل مرة إلى كذبة جديدة تحرس ما سبقها. وكلما ظن الكاذب أنه أحكم الحكاية، ترك فيها ثغرة، وكلما أغلق بابًا، فتح عليه الشك أبوابًا أخرى.
ولعل المثل الشعبي «حبل الكذب قصير» كان من أدق الأمثال صراحةً ووضوحًا، ومن الحقائق التي لا ينكرها أحد مرَّ بتجربة انكشاف الكذب؛ فما من كاذب نجا بكذبته إلى الأبد.
يقول الله عز وجل:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: 42].
فقد يمن الله تعالى على المظلومين بانكشاف كذب الظالمين، وقد يؤخر تمام العدل إلى يومه الذي وصفه تعالى بقوله:
﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: 9].
ولنا في قميص يوسف
من القصص والعبر ما يرسم دروب الحياة المضيئة، ويمنحنا اليقين الصادق بأن الزيف لا يدوم، وأن حبل الكذب ضعيف مهزوز قد ينقطع في أي حين. فعندما عاد إخوته ليلًا يبكون، وجاؤوا بقميصه ملطخًا بدم زائف، ظانين أن الدموع والدليل المصنوع سيغلقان باب السؤال، قال تعالى:
﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: 18].
مضت السنون، لكن القصة لم تُدفن، والقميص الذي استعمل ستارا للكذب صار شاهدا على ضعفه. ثم وقفت الحقيقة أمامهم في شخص يوسف عزيزًا مكرمًا، فلم يجدوا إلا الاعتراف:
﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ [يوسف: 91].
وهكذا تفعل الحقيقة؛ قد لا تأتي في الساعة التي يريدها المظلوم، لكنها حين تأتي تعيد ترتيب المشهد كله، فيصبح المتهم بريئًا، والمخدوع بصيرًا، والكاذب أسيرًا لما صنعه بلسانه.
في الطب النفسي، لا يُعد كل كذب مرضًا نفسيًا، فقد يكون سلوكًا مكتسبًا سببه الخوف، أو الطمع، أو الهروب من المسؤولية، أو البحث عن لذة ومكانة. وتشخيص المرض لا ينبغي أن يتحول إلى عذرًا يلغي المسؤولية الأخلاقية.
ومن الناحية العصبية، الكذب عملية ذهنية مرهقة؛ إذ يحتاج الشخص إلى تذكر الحقيقة، وصناعة رواية بديلة، وكبح الإجابة الصادقة، ومراقبة رد فعل الطرف الآخر. ولهذا تظهر دراسات التصوير العصبي مشاركة مناطق في القشرة أمام الجبهية مرتبطة بالتحكم التنفيذي والتعارض الذهني أثناء الخداع. لكن هذا لا يعني أن الكذب «يتلف الدماغ» مباشرةً بالمعنى الطبي.
وعلى مستوى الشخصية، قد يدفع الكذب المتكرر صاحبه إلى العيش بشخصيتين: صورةً يقدمها للناس، وحقيقةً يخشى ظهورها. فيصبح كثير التبرير، شديد الحساسية للأسئلة، خائفًا من التناقض، وقد يفقد احترامه لنفسه قبل أن يفقد احترام الآخرين. وما يبدو له ذكاءً في البداية يتحول إلى سجن؛ لأن الصادق يحتاج إلى ذاكرة واحدة، أما الكاذب فعليه أن يتذكر كل نسخة صنعها لكل شخص.
لم ينظر أهل البيت
إلى الكذب باعتباره زلة لسان عابرة فحسب، بل رأوا فيه هدمًا للداخل الإنساني. فقد روي عن الإمام الباقر
قوله: «إن الكذب هو خراب الإيمان»، وروي عنه أيضًا: «إن الله عز وجل جعل للشر أقفالا، وجعل مفاتيح تلك الأقفال الشراب، والكذب شر من الشراب».
وروي عن أمير المؤمنين علي
: «لا يجد عبد طعم الإيمان حتى يترك الكذب هزله وجدَّه»؛ لأن من استسهل الكذب مازحًا قد يستسهله معتذرًا، ثم يستعمله طلبًا لمنفعة أو فرارًا من مسؤولية، حتى يصبح الكذب عادة تسبقه إلى لسانه.
وفي دعاء مكارم الأخلاق، يعلّمنا الإمام زين العابدين
أن الأخلاق ليست كلمات نزيّن بها صورتنا، بل مجاهدة للنفس، فيدعو الله أن يوفقه إلى «القول بالحق وإن عز»، وأن يحول ما قد يجري على اللسان من «شهادة باطل» إلى ذكر لله وحمد له. كما يقول: «وسددني لأن أعارض من غشني بالنصح»؛ فلا يكون الرد على الكذب بكذب مثله، بل بالحق والنصيحة وحفظ كرامة النفس.
ليست الدنيا طويلة إلى الحد الذي تتزين لنا فيه شهواتنا، وتحلو كلمات الكذب على ألسنتنا، لنعبر بها الأيام والليالي دون محاسبة. ولم يخلق الله تعالى الدنيا مرتعًا للمنافقين والظالمين، ولا كهفًا للأسرار الغامضة؛ إنما هي إشراقة فجرٍ خلقها الله ليستخلف عباده فيها بالحق والكلمة الصادقة، وبالوضوح والعدل المنصف بين الناس، وبالرقي والتكامل وعمارة الأرض.
وما الإنسان إلا من نسل أبينا آدم وأمنا حواء، وقد حمل أمانة الاستخلاف والعمارة؛ فزراعة الورد ديدنه، واقتلاع الشوك واجبه، وغرس القيم والمبادئ حرصه الشديد، لتتعلمها الأجيال التي تأتي من بعده.
إن حبل الكذب قصير، لا لأنه ينقطع دائما في الوقت الذي نريده، بل لأنه لا يصل بصاحبه إلى النجاة؛ أما الحقيقة فقد تتأخر، لكنها لا تموت، ولها موعد في عدل الحكيم الخبير لا يتقدّم ولا يتأخّر.












