اقتصاديات اللوز 4/10

حتى البسطات المنتشرة على امتداد مدن وقرى القطيف باتت تعرف الطريق إلى الأسعار المرتفعة، تغريها الإعلانات المنتشرة في وسائل التواصل الاجتماعي، ومشاهد التمثيل التي تنزلق من ساحة الحراج في سوق الخضرة بالقطيف، فتذهب بعيدًا في رغبتها لجني الأرباح الكبيرة. عندما تخرج من بيتك في جولة استكشاف خلال الموسم، ستقف على قائمة متماوجة من الأسعار، لكنها تحمل عنوانًا واحدًا وهو تضخم سعر اللوز، لن تحتاج إلى الكثير من التأويل لفهم آلية السوق، خاصة وأن الفوارق في أشكال التسعير بينها واضحة وصريحة، فأنت أمام سوق شهيتها مفتوحة للآخر للإبقاء على موجة الأسعار مرتفعة.
في المهرجان الأخير للوز الذي أقيم في مدينة سيهات، لم يترك الخيار للأفراد المشاركين في تقديم أسعارهم، بل تم التوافق على تسعيرات بعينها، وفي ذلك محاولة لحماية الصورة المتداولة عن هذا المنتج باعتباره الذهب الأحمر في السوق على النحو الذي تقدمه الفضاءات الرقمية من جهة، ومنع أي إخلال معتبر في الأسعار من شأنه أن يؤدي إلى فتح باب الشك في تسعيرات العارضين من جهة أخرى، خاصة وأن التركيز في ذلك المهرجان ذهب باتجاه المسوقين أكثر من المنتجين، ما يجعل المهرجان منصبًّا على حماية المسوقين أكثر من حماية المستهلكين.
هذه الممارسات التسعيرية هي التي تمثل الرافعة الاقتصادية لسوق اللوز، أي التوافقات الضمنية التي توجه السوق في شكل كارتل اقتصادي خفي، لا يكترث بعناوين الوفرة، بقدر اكتراثه بحراسة السقف المثالي للأرباح.. لا يحتاج الفاعلون في هذه السوق إلى كتابة اتفاقية ما في هذا الخصوص، أو أن يتحولوا إلى مؤسسة نظامية لتكون لهم هذه الفاعلية في التحكم بالأسعار، بل وضعية السوق هي التي تسمح بتجذير هذه السلوكيات، وترسيخها في الممارسات التسويقية خلال الموسم.
الذين يستيقظون في ساعة الفجر لجمع ثمار اللوز من المزارع المنتشرة على أطراف القطيف، يتركون أختامهم على تلك الكراتين الشبيهة بكراتين الموز، أعني العمالة الآسيوية التي تقطف الموسم كله وهي تقطف اللوز ثمرة ثمرة، ترسم خارطة الأسعار، وهي تتفيأ غابات اللوز، لتأخذ الكراتين إلى وجهاتها المحددة، محليًّا وخارجيًّا، فينال صاحب البستان نصيبه من الحساب المؤجل بعد إكمال باقي الصفقات.
كميات كبيرة من اللوز لا يحضرها حراج القطيف، فهي في توق دائم للسفر المباشر إلى باعة التجزئة، وسماسرة الصفقات، والوسطاء الذين يتحلقون بكثير من الطمع حول الثمرة الموسمية، لا أحد يعرف من أين جاءت، ولا كيف جرى تجهيزها للبيع، لكنها منبسطة على الأرصفة، وفي منصات التواصل، وعلى طاولات مشاهير السوشيال ميديا، وفي المنافذ الحدودية، وجميعها تمثل الحارس الأمين للأسعار العالية.
وحدهم الذين يجنون محصولهم الزراعي، ويبيعونه مباشرة، يملكون القدرة على تغيير معادلة السوق، والحفاظ على بقاء الأسعار في مستويات معتدلة، والتحرر من الارتفاعات غير المبررة، إذا ما اتسعت حصتهم في هذه السوق في فترات الوفرة، وابتعدوا عن الوساطات المتعددة، الأمر الكفيل بإعادة السوق إلى صورتها التقليدية، قبل دخول المجموعات الضاغطة على الثمار الموسمية، والباحثة عن امتصاص كل فرص الجني السريع للأرباح.
وما يزال سؤال السعر العادل للوز مؤجلًا، لحين الحديث عن التكلفة الفعلية لزراعة اللوز، وهو ما سنقف عنده في قادم الحلقات.
أثير السادة












