السعودية التي كبرت معنا
في اليوم الوطني، نستعيد عادة قصة وطن. نستعيد التأسيس والتوحيد، ونستحضر الرجال الذين صنعوا البدايات، ونرفع العلم ونحتفي بما تحقق. وكل ذلك مستحق، لكنني أعتقد أن اليوم الوطني يحمل معنى آخر لا يقل أهمية: أن نتوقف قليلًا لنتأمل السعودية التي عشناها، والسعودية التي نعيشها اليوم، والسعودية التي نريد أن نتركها لأبنائنا.
بالنسبة إلى جيلي، لم تكن تحولات المملكة قصة قرأناها فقط؛ بل عشنا جزءًا كبيرًا منها.
كبرنا وكبرت معنا المدن. تغيرت الطرق والمطارات والمستشفيات والجامعات، وتبدلت وسائل الاتصال والعمل والتعليم. أشياء كثيرة كانت في طفولتنا أمنيات أو تبدو بعيدة المنال، أصبحت اليوم جزءًا طبيعيًا من حياة أبنائنا، حتى إن بعضهم قد يستغرب حين نحكي له كيف كانت الحياة قبل الإنترنت، أو كيف كان الوصول إلى بعض الخدمات يتطلب سفرًا وانتظارًا وجهدًا كبيرًا.
والسعودية اليوم تعيش تحولًا واسعًا لا يمكن اختزاله في مشروع أو مبنى أو فعالية. هناك تحول في الاقتصاد، والصحة، والتعليم، والسياحة، والثقافة، والتقنية، وفي حضور المرأة والشباب، وفي مفهوم جودة الحياة نفسه. وأصبح المواطن يرى وطنه حاضرًا في مجالات واسعة ربما لم تكن مرتبطة بصورة المملكة قبل سنوات.
لكن الاعتزاز بالمنجز لا يعني أن نكتفي بالنظر إليه.
فالوطن الذي يملك طموحًا كبيرًا يحتاج كذلك إلى ثقافة كبيرة في المحافظة على مكتسباته وتطويرها.
وهنا تبدأ مسؤوليتنا نحن.
نعم نحب الوطن في يومه، ولكن الاختبار اليومي للانتماء يحدث في أماكن أقل احتفالًا: في مكتب الموظف، وعيادة الطبيب، وفصل المعلم، ومنشأة رجل الأعمال، وموقع المسؤول، وفي كل موقع يستطيع فيه الإنسان أن يجعل حياة شخص آخر أفضل أو أكثر سهولة.
حب الوطن يظهر عندما نحافظ على المال العام كما نحافظ على أموالنا، وعندما نحرص على تجنب الهدر، وعندما نعزز الكفاءة في العمل، ونمنح الفرص للمستحقين، ونتعامل مع الملاحظات بروح مسؤولة، ونسعى إلى تصحيح الأخطاء وتحسين الأداء.
ويظهر أيضًا عندما نفهم أن المراجعة الواعية جزء من التطوير.
فالمؤسسات تتطور بالاستماع إلى الملاحظات، واكتشاف جوانب التحسين، والاستفادة من الخبرات والتجارب. وبين الاكتفاء بما تحقق والسعي إلى تطويره، مساحة واسعة اسمها المسؤولية.
أن أفرح بما تحقق، وأشير في الوقت نفسه إلى ما يحتاج إلى تحسين، لا يحمل تناقضًا. بل ربما كان أحد أكثر أشكال الانتماء نضجًا؛ لأن من يهتم بمستقبل المكان لا يكتفي بالاحتفاء به، وإنما يحرص على أن يصبح أفضل.
وفي القطاع الصحي، الذي أنتمي إليه، يمكن أن نرى صورة مصغرة لهذه الفكرة.
لقد قطعت المملكة رحلة واسعة في الرعاية الصحية، ونحن اليوم أمام مرحلة جديدة تعيد تشكيل النظام الصحي ومفاهيم الوقاية وجودة الحياة ونماذج تقديم الخدمة. لكن النجاح في النهاية لن يُقاس فقط بعدد المستشفيات والأسرة والزيارات الطبية، وإنما بما إذا أصبح الإنسان أكثر صحة، ووصل إلى الخدمة المناسبة في الوقت المناسب، واستُخدمت الموارد بكفاءة، وتحسنت تجربة المريض، وتعززت جودة الخدمات.
وهذا المبدأ ينطبق على بقية القطاعات.
ليست قيمة المدرسة بعدد طلابها فقط، بل بما يتعلمونه. وليست قيمة المؤسسة بعدد معاملاتها، بل بجودة ما تنجزه. وليست قوة الاقتصاد بالأرقام وحدها، بل بقدرته على صناعة الفرص وتحسين حياة الناس والاستمرار للأجيال القادمة.
لقد رفعت رؤية السعودية 2030 سقف الطموحات، وربما كان أحد أهم آثارها أنها غيّرت علاقتنا بالممكن. فأصبح السؤال في كثير من المجالات ليس: هل نستطيع؟ بل: كيف نفعل ذلك بصورة أفضل وأسرع وأكثر استدامة؟
وكل عام والسعودية تكبر بنا، ونكبر بها.












