عَرْشَ أُمَّةٍ

يَرَاعٌ يَخُطُّ الحُبَّ رَمْزًا وَيَنْزِفُ
يُعَانِقُهُ حَرْفٌ مِنَ الفَخْرِ مُتْرَفُ
يَبُثُّ شُعُوْرًا فِي شُمُوْخٍ وَعِزَّةٍ
يُرَصِّعُهُ يَوْمٌ وَضِيءٌ مُشَرِّفُ
بِلَادٌ تَسَامَتْ في الْمَعَالِي عَزِيزَةٌ
فَلَا خَيْرُهَا يُحْصَى ولا الْقَدْرُ يُوصَفُ
وَعَزَّتْ بِدِينِ اللهِ نَهْجًا وشِرْعَةً
وَقَد أَمَّهَا هَدْيٌ وَهَادٍ وَمُصْحَفُ
فَأَشْرَقَ مِنْهَا الوَحيُ نُورًا لِأُمَّةٍ
وَأُرْسِلَ مِنْهَا خَيْرُ خَلْقٍ وَأَشْرَفُ
يُغَرِّدُ فِي أَرْجَائِهَا الأَمْنُ نَاعِمًا
وَيَفْرِدُ جُنْحًا فِي ذُرَاهَا يُرَفْرِفُ
وَيَبْرُقُ فِي مَيْدَانِهَا العَدْلُ صَارِمًا
وَيَعْضُدُهُ سَيْفٌ صَقِيلٌ وَمُرْهَفُ
وَأَسَّسَهَا عبدُ العَزِيزِ بْنُ فَيْصَلٍ
إِلَى ذُرْوَةِ العَلْيَاءِ بِالشَّعْبِ يَهْدِفُ
وَكَانَتْ دِيَارُ العُرْبِ مِنْ قَبْلِ حُكْمِهِ
شَتَاتًا، وَحَالُ الجَهْلِ فِيْ النَّاسِ مُؤْسِفُ
سَرَى حُلْمُهُ نحوَ الرِّيَاضِ مُحَلِّقًا
وَمَنْ يَخْطُبِ الْحَسْنَاءَ فَالْمَهْرُ مُكْلِفُ
مُوَحِّدُهَا صَقْرُ الجَزِيرَةِ مُلْهَمًا
كَمِيٌّ جَسُوْرٌ بِالبُطُـَولَاتِ أَعْرَفُ
أَضَاءَتْ لهَا سِتٌّ وَتِسْعُونَ شُعْلَةً
تُنِيرُ دُرُوبَ المَجْدِ تُجلِي وَتَكْشِفُ
حَوَتْ كُلَّ حُسْنِ الأَرْضِ زَهْوًا وَطَلْعَةً
وَمِنْهَا يَغَارُ البَدْرُ حُسْنًا وَيَخْسِفُ
بِهَا طَيْبَةٌ طَابَتْ جِوَارًا بِأَحمَدَ
وَمَكَّةُ فِي عَرْصَاتِهَا الأَمْنُ يَعْكُفُ
بِهَا زَمْزَمُ الغَرَّاءُ نَبْعٌ شَرَابُهَا
فُرَاتٌ زُلَالٌ لَا يَغِيضُ وَيُوقَفُ
حَمَاهَا إِلَهُ الكَوْنِ مِنْ كُلِّ فِتْنَةٍ
وَرَبِّي لِمَنْ يَخْشَاهُ بِالْغَيْبِ أَلطَفُ
بِهَا يَعْتَلِي بَيْتٌ عَتِيقٌ وَقِبْلَةٌ
قُلُوبَ مَلَايِينٍ تُصَلِّي وَتَعْرِفُ
وَمَنْ يُرِدِ الإِلحَادَ فِيْهِ بِظُلْمِهِ
يُذِقْهُ عَذَابًا مِنْ حَمِيمٍ وَيُقْذَفُ
يَؤُمُّ سَنَاهَا كُلَّ عَامٍ خَلِيقَةٌ
وَيَجْمَعُهُمْ رُكْنٌ وَبَيْتٌ وَمَوْقِفُ
تَآلَفَتِ الأَرْوَاحُ في ظِلِّ قَائِدٍ
رَؤُوفٌ بِشَعْبٍ عَنْهُ يَحْمِي وَيَعْطِفُ
إِذَا كَرَّ هَابَتْهُ الأَعَادِي ذَلِيلَةً
فَمِئْزَرُهُ الإِقْدَامُ وَالبَأْسُ مِعْطَفُ
فَعَانَقَهُ نَصْرٌ مُبِينٌ مُؤَزَّرٌ
ويَسنِدُهُ الإِيمَانُ وَالعِزُّ يَهْتِفُ
عَلَى تُرْبِهَا الزَّاكِي تَجَلَّتْ مَلَاحِمٌ
سَنَاهَا مدى التَّارِيخِ يَضْوِي ويَخْطُفُ
مَسِيرَةُ فُرْسَانٍ بَنَوْا عَرْشَ أُمَّةٍ
لَهُمْ فِي جَبِينِ الدَّهْرِ نَقْشٌ مُزَخْرَفُ
بِعَزْمٍ يَفُتُّ الصَّخْرَ في كُلِّ هِمَّةٍ
وَمَنْ يَطْلُبِ العَلْيَاءَ فَالنَّجْمُ يَصْدِفُ
وَتَهْفُو لها الأَرواحُ أُنْسًا وَقُرْبَةً
وَفِي تُرْبِهَا تَعْنُو قُلُوبٌ وَتَذْرِفُ
وَسَلْمَانُ فَخْرٌ للعُرُوبَةِ قَائِدٌ
لَهُ تَنْبِضُ الأَكْبَادُ حُبًّا وَتَهْتِفُ
وَلَبَّى نِدَاءَ الجَارِ عَهْدًا وَذِمَّةً
فَجَاءَ بِجَيْشٍ ضَارِبِ البَأْسِ يَزْحَفُ
إِلَى يَمَنِ الإِيمَانِ يَجْتَثُّ عَادِيًا
وَيَضْرِبُ في قَلْبِ العَدُوِّ فَيَرْجُفُ
مَلِيكٌ حَوَى الأَمْجَادَ مِنْ كُلِّ رِفْعَةٍ
فَأَنَّى لِنَظْمِ الشِّعْرِ في اللَّيْثِ يُسْعِفُ
وَشِبْلٌ لَهُ فِي قِصَّةِ المَجْدِ رُؤْيَةٌ
بَنَى فِكْرَهَا شَهْمٌ هُمَامٌ مُثَقَّفُ
يُعَانِقُ تَارِيخًا مِنَ الفَخْرِ عَابِقًا
وَيَنْشُرُ لَحْنًا خَالِدًا ظَلَّ يعْزفُ
سُعُودِيَّةٌ تَسْمُو بِفِكْرٍ وَنَهْضَةٍ
وَيُنْهَلُ مِنْهَا العِلْمُ صَافٍ وَيُرْشَفُ
بِلَادٌ بِحَبْلِ اللهِ تَمْضِي عَزِيزَةً
وَأَعْدَاؤُهَا في أَسْفَلِ القَاعِ أَضْعَفُ
لَهَا فِي فُصُولِ العَونِ صِيتٌ وَنَجْدَةٌ
يُسَطِّرُهُ التَّارِيخُ فَخْرًا وَيُتحِفُ
تُوَاسِي شُعُوبَ الْأَرْضِ في كُلِّ مِحْنَةٍ
وَإِنْ زَادَتِ الْأَوْجَاعُ عَنْهَا تُخَفِّفُ
وَتَبْذُلُ لِلْمُحْتَاجِ خَيْرًا وَمِنْحَةً
وَتَمْسَحُ دَمْعَاتِ الْيَتَامَى تُكَفْكِفُ
كَرِيمَةُ أَصْلٍ، وَالمَكَارِمُ دَأْبُهَا
إِذَا غَابَ مُزْنٌ، مِنْ نَدَاهَا تُؤَلِّفُ
وَتُرْسِي عَلَى الآفَاقِ سِلْمًا وَنَهْجُهَا
وِفَاقٌ وَإِصْلَاحٌ وَجُهْدٌ مُكَثَّفُ
طُمُوحٌ تَسَامَى مِنْ شَبَابٍ مُحَلِّقٍ
وَلَيْسَ لَهُ حَدٌّ عَلَيْهَا وَأَسْقُفُ
فَأَخْرَسَ أَفْوَاهًا بِإِبْدَاعِ مُنْجَزٍ
وَمَاتَ بِغِلٍّ إِذْ رَأَى العِزَّ مُرْجِفُ
جَهَابِذَةٌ في كُلِّ فَنٍّ نَوَابِغٌ
وَلَم يَأْخُذُوا عِلْمًا جدِيدًا وَيَكْتَفُوا
لَقَد صَدَقُوا المَولَى بِوَعدٍ وَذِمَّةٍ
وَمَا نَقَضُوا عَهدًا وَمَا عَنهُ أَخْلَفُوا
وَتَشْمَخُ في أَقْصَى بُرُوجٍ فَرِيدَةً
لَهَا في النُّجُومِ الشُّمِّ سِفْرٌ وَمُتْحَفُ
يُشِيدُ بِهَتَّانِ العَطَايَا مُنَاوِئٌ
وَلَا مُنْكِرٌ إِلَّا حَقُودٌ وَمُجْحِفُ
نَذُودُ عَنِ البَيْتَيْنِ نَحْمِي حِيَاضَهَا
وَنَمْضِي لِأَوْكَارِ الأَعَادِي وَنَقْصِفُ
وَنَحْلُمُ عَنْ جَهْلِ السَّفِيهِ تَرَفُّعًا
وَإِنْ جَاوَزَ الأَخْلَاقَ فَالرَّدُّ أَعْنَفُ
فَنَحْنُ لَهَا حِصْنٌ وَدِرْعٌ وَخَنْدَقٌ
وَنَحْنُ لَهَا سِرْبٌ على الْجَوِّ مُشْرِفُ
نَشَأْنَا مَعَ الأَفْذَاذِ فِي كُلِّ مَنْزَلِ
وَمَنْ عَاشَرَ الأَبْطَالَ لِلبَأْسِ يَأْلَفِ
هَمَى الْوَحْيُ غَضًّا في ثَراهَا مُنَزَّلًا
وأَنْقَى بِلَادِ الْأَرْضِ طُهْرًا وَأَنْظَفُ
وَتَحْفَلُ بالْأَبْطَالِ في كُلِّ وَقْعَةٍ
وَيَشْهَدُ في هَذَا سِجِلٌّ وَأَرْفُفُ
تَبَاهَتْ بِقَرْنٍ في أَمَانٍ وَعِزَّةٍ
وَتَنْمُو رَخَاءً وَالْبُطُولَاتُ تَرْدِفُ
أَيَا مَوْطِنِي سَمْعًا وَلاءً وَطَاعَةً
فَأَنْتَ عَلَيْنَا وَارِفُ الظِّلِّ أَرْأَفُ
وَكَمْ تُقْسِمُ الآفَاقُ بِالفَضْلِ نَحْوَهَا
وَذَا الكَوْنُ بَرٌّ صَادِقٌ حِينَ يُنْصِفُ
فوَاللهِ إِنَّ الْمَجْدَ حَصْرٌ لِمَوْطِنِي
وَتَاللهِ إِنِّي صَادِقٌ حِيْنَ أَحْلِفُ












