آخر تحديث: 25 / 9 / 2026م - 8:33 م

عندما يتحول المرض إلى قصيدة

ياسر آل غريب *


قدر الإنسان أن يعتل جسده، وتسوء نفسيته، وليس له مفر من اضطراباته إلا الأمل المطلق الذي يعيد إليه توازنه وحيويته، وعند الشعراء متنفس وفسحة كبيرة للتعبير عن أمراضهم بوصفها تجربة حياتية معاشة، فتأتي إبداعاتهم على قدر معاناتهم. وأول ما يقفز في أذهاننا من التراث العربي قصيدة المتنبي عن الحمى التي تزوره في الليل، ورغم ما تفعله من تفشيها في عظامه إلا أن شخصيته تبقى صامدة بما يمتلك من الاصطبار والعزيمة، وليس غريبا عليه فالكبرياء دوما ما تلازمه حتى وإن كان على فراش المرض.

وفي الشعر العربي الحديث عدة نماذج نستطيع الوقوف عليها مثل قصيدة بدر شاكر السياب «سفر أيوب» التي كتبها عام 1962 أي قبل وفاته بعامين. وقد أخذ مرض التصلب الجانبي الضموري يزيد من آلامه أسفل ظهره، مما أعاقه عن الحركة. أتت قصيدته مختلفة هذه المرة بأنفاس الدعاء بكل ما أوتي من رضا وتسليم، مستحضرا الرمز الديني نبي الله «أيوب» :

لكَ الحـَمدُ مهما استطالَ البلاء
ومهما استبدَّ الألم
لكَ الحمدُ إنَّ الرزايا عطاء
وإنٌ المَصيبات بعض الكـَرَم
ألم تُعطني أنت هذا الظلام
وأعطيتني أنت هذا السّحر؟
فهل تشكر الأرض قطر المطر
وتغضب إن لم يجدها الغمام؟

وبعدما أجرىت لمحمود درويش عملية القلب المفتوح في باريس 1998 كتب قصيدته المطولة «الجدارية» طبعت عام 2000 لتكون فاتحة القرن الحادي والعشرين أدبيا، أستطيع أن أطلق عليها معلقة الشعر الحديث، حتى أنها تبدو خلاصة الكتابة في تجربته.

وهو بهذا النص المفتوح كما كان قلبه تماما استطاع أن يقاوم الغياب ويتأمل في الوجود، لك أن تتخيل الشاعر في مسرح النجم الواحد، يبوح أكثر بما يمتلكه من الوعي بالذات متكئا على الحلم الذي اتسع ليكرر عبارته: ”سأصير يوما ما أريد“، مايدهش في هذه القصيدة هو التنقل بين أزمنة وأمكنة عدة واختلاط الأسطورة بالواقع، تتخللها ذاكرة المستشفى التي تتضح فيها أحوال المريض وهواجسه لحظتها:

تقول مُمَرِّضتي: كُنْتَ تهذي
كثيراً، وتصرخ بي قائلا ً:
لا أُريدُ الرجوعَ إلى أَحَدٍ
لا أُريدُ الرجوعَ إلى بلدٍ
بعد هذا الغياب الطويل …
أُريدُ الرجوعَ فَقَطْ
إلى لغتي في أقاصي الهديل
تقولُ مُمَرِّضتي:
كُنْتَ تهذي طويلا ً، وتسألني:
هل الموتُ ما تفعلين بي الآنَ
أَم هُوَ مَوْتُ اللُغَةْ؟

أما جاسم الصحيح فقد كان على موعد مع الذات عام 2020 في هيأة أخرى غير ما ألفها من عنفوان الحياة حينما أخبره الطبيب بمرضه:

فشلٌ في الكلى
هكذا رنَّ صوتُ الطبيبِ
كقنبلةٍ في دمي انشطرتْ
واستدار إلى وجهِ حاسوبهِ
وانثنَى «يقرأ المقتلا»

ورغم حالة الفزع التي انتابته بداية الأمر، ألا أنه عاد إلى منابع روحه الأولى، فتقلصت المخاوف وعم الرجاء بهذا الاصطفاء في البلاء كما عبَّر، جالبا من أعماق نفسه تعويذاته التي يقاوم بها هذا الاعتلال:

أُعَوِّذُ حُبِّيَ من فشلٍ في المآلِ
أعوِّذ شعريَ من فشلٍ في الخيالِ
أعوِّذ روحيَ من فشلٍ في الجمالِ
أعوِّذ عمريَ من فشلٍ في الظلالِ
إذا كانَ لا بدَّ أنْ أفشلا.

بالمرض يكتشف الإنسان حقيقته مرة أخرى، ويعيد ترتيب الأشياء من جديد، وكما رأينا من النماذج السابقة ما يطرأ على الشاعر من تغيرات، فالسياب الذي عرف بريادته للحداثة الشعرية العربية كيف كان واضحا جدا دون تعقيد، ومحمود درويش كيف حوَّل مرضه إلى ملحمة وجودية، والصحيح كيف كان بروح إيجابية متمركزا في الخيال والجمال، ليفوز على الألم.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
عماد آل عبيدان
25 / 9 / 2026م - 6:51 م
من المتنبي إلى جاسم الصحيح.. تتبعتَ المرض وهو يدخل حياة الشاعر وقصيدته معًا.. فأصابهما معًا وكتب كل شاعر وجعه بطريقته. جميل هذا الاستقصاء أ. ياسر..