الكتاب.. العائد مقابل السعر
يمكن أن نحصر الحالات التي لا يكون فيها العائد من الكتاب أعلى من سعره الذي اشتريته به في: ألا تقرأه، أو لا تطبق ما قرأته، أو ألا تفهمه، أو ألا تكون بحاجة إليه، أو أن تكون سبق أن تعلمت ما فيه، حينها فقط يمكن القول بكل اطمئنان إنك لم تضع مالك في مكان مناسب. أما ما عدا ذلك فإن العائد المتأتي من الكتاب، معرفيًّا وثقافيًّا، مع حسن اختيارك له أعلى بكثير من سعره، أو مساوٍ له على أقل تقدير أو قريب من ذلك.
فحين نتفق على أن قيمة أي شيء تقاس بأثره علينا فإن قيمة الكتب - أو أكثرها حتى نكون أكثر دقة - أعلى في الغالب من سعرها الذي اشتريتها به. فأنت حين تشتري ملابس أو أطعمة أو مشروبات، أو أي أمور أساسية لحياتك فهي - كما يدل عليها اسمها - أساسية ومهمة ولا يمكن الاستغناء عنها، وهي سر بقائنا على قيد الحياة، ولا يمكن مقارنتها بأي أمر معنوي. لكننا عندما نستبعد الأمور الأساسية ونتحول إلى ما هو أقل منها أهمية حتى نصل إلى الكماليات فسوف نكتشف أن قيمتها - أو حجم الاستمتاع بها - تخبو بسرعة كبيرة حتى نكاد ننساها، وربما احتجنا إلى تكرار شراء أخرى مثلها مرة ثانية وثالثة حتى نشعر بالاستمتاع مرة أخرى، بخلاف الكتاب الذي ندفع قيمته مرة واحدة ويبقى أثره معنا إلى الأبد أو لمدة طويلة.
هناك بالطبع أمور كمالية يبقى أثرها أو حلاوتها مدة طويلة، وربما بقيت معنا إلى الأبد أيضًا، لكنها أمور قليلة، وربما فاق سعرها سعر الكتاب بأضعاف مضاعفة.
قد يسأل سائل: إذن لماذا لا يقبل الناس على الكتاب في حين أنهم يقبلون على الأمور الأخرى الكمالية؟ والجواب ببساطة هو أن أثر الكتاب رغم أنه كبير وعميق، وهو استثمار طويل الأمد في العقل، فإنه آجل وغير فوري، في حين تظهر آثار الأمور الأخرى المادية بسرعة، وهو السر وراء ركض الناس خلفها.
فالعمر الافتراضي للكتاب أطول، وأفكار بعض الكتب قد توفر سنوات من الخبرة ومن التجربة والخطأ، وربما تكون سببًا في تطوير أسرع في بيئة العمل، وقد تغير حتى النظرة إلى الحياة وإلى ما حولنا.
ولا يمكن إنكار أن هناك خيارات أخرى لها إيجابيات كبيرة قد تعادل إيجابيات قراءة كتاب، وربما كان عائدها كبيرًا مقابل سعرها، مثل مصاحبة من هم أذكى منا، أو حتى التقاط المعلومة بوسائل أخرى غير القراءة، كالاستماع إليها أو مشاهدتها من وسائل تقنية حديثة، لكن الكتاب قد يكون أكثرها قدرة على منح المعلومة لمن يريدها بشكل أسرع مع ضمان أكبر بديمومتها في أذهان متلقيها، حسب عدد من الدراسات الحديثة.












