آخر تحديث: 26 / 9 / 2026م - 8:50 م

جيل وُلد في الجهة الأخرى

فوزي آل غريب *


قبل جيل زد، نشأ جيل كامل في زمن لم تكن فيه الهواتف الذكية امتدادًا لليد، ولا منصات التواصل نافذة يومية على العالم، ولا الإنترنت حاضرًا في كل تفاصيل الحياة، كان الوصول إلى المعلومة يتطلب وقتًا وجهدًا، وكانت العلاقات الإنسانية أكثر ارتباطًا بالمكان واللقاء المباشر، وكانت الشاشة جزءًا من الحياة، وليست الحياة كلها.

ثم جاء جيل زد، فعاصر كثير من أبنائه مرحلة التحول المتسارع نحو العالم الرقمي، وشهدوا كيف انتقلت تفاصيل الحياة اليومية، من الدراسة والعمل إلى التواصل والترفيه، إلى فضاء أصبحت فيه الشاشات والمنصات الرقمية جزءًا أساسيًا من الواقع.

أما جيل ألفا، فلم يقف على ذلك الحد الفاصل بين العالمين.

لقد وُلد في الجهة الأخرى منه.

وُلد في عالم أصبحت فيه الشاشة جزءًا من المنزل، والمحتوى متاحًا عند الطلب، والخوارزميات تقترح ما يشاهده ويسمعه، قبل أن يأتي الذكاء الاصطناعي ليضيف تحولًا جديدًا إلى هذه العلاقة. فلم تعد التقنية تكتفي بعرض المعلومات، بل أصبحت تحاور الإنسان، وتجيبه عن أسئلته، وتساعده على إنتاج النصوص والصور، وتشاركه بعض مراحل البحث والتعلم والإبداع.

وهنا تبدأ حكاية جيل لم يرث التكنولوجيا بوصفها اختراعًا جديدًا، بل ورث عالمًا أعادت التكنولوجيا تشكيله قبل أن يبدأ في اكتشافه.

فالفارق بين جيل زد وجيل ألفا لا يكمن في عدد السنوات التي تفصل بينهما، وإنما في طبيعة البيئة التي نشأ فيها كل منهما. فقد عاصر كثير من أبناء جيل زد مراحل متسارعة من التحول الرقمي، بينما نشأ جيل ألفا في عالم أصبحت فيه التقنيات الرقمية أكثر حضورًا في تفاصيل الحياة اليومية.

جيل زد تعلّم كيف يعيش مع التكنولوجيا، أما جيل ألفا فيتعلّم الحياة من خلالها.

ومع أن هذا التوصيف لا ينطبق بالدرجة نفسها على جميع الأفراد، فإن الاختلاف بين التجربتين يفتح الباب أمام سؤال يتجاوز المقارنة بين الأجيال: كيف يمكن للتكنولوجيا أن تؤثر في الإنسان عندما تصبح جزءًا من بيئته منذ سنواته الأولى؟

إننا أمام تحول لا يتعلق بالأجهزة وحدها، بل بطريقة الوصول إلى المعرفة، وتكوين العلاقات، وإدراك الوقت، وفهم الخصوصية، وحتى الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع أفكاره وأسئلته.

فالطفل اليوم يستطيع أن يصل خلال ثوانٍ إلى معلومات كان الحصول عليها في الماضي يتطلب ساعات من البحث. ويمكنه أن يتعلم لغة جديدة، ويشاهد التجارب العلمية، ويزور المتاحف افتراضيًا، ويتعرف على ثقافات بعيدة، ويستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي لتوسيع مداركه وتطوير مهاراته.

إنها فرص معرفية هائلة، تفتح أمام الأجيال الجديدة آفاقًا لم تكن متاحة بهذه السهولة للأجيال السابقة.

لكن اتساع النافذة لا يعني بالضرورة وضوح الرؤية.

فحين تصبح الإجابة متاحة قبل أن يكتمل السؤال، قد يتغير التحدي من البحث عن المعلومة إلى القدرة على فهمها. وحين تقدم الخوارزميات المحتوى بناءً على أنماط الاستخدام والاهتمامات، تصبح القدرة على الاختيار الواعي والتمييز بين الحقيقة والتضليل مهارة أساسية لا تقل أهمية عن القراءة والكتابة.

ولنتخيل طفلين يبحثان عن إجابة لسؤال علمي واحد. يستخدم الأول محرك البحث، ويفتح عدة مصادر، ويقارن بينها قبل الوصول إلى نتيجة. أما الثاني، فيطرح السؤال على أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي، فيحصل على إجابة متكاملة خلال ثوانٍ.

قد يصل الاثنان إلى المعلومة نفسها، لكن السؤال الأهم ليس أيهما وصل أولًا، وإنما أيهما فهم الإجابة، وتحقق من صحتها، وأصبح قادرًا على تفسيرها ومناقشتها.

فامتلاك الإجابة لا يعني بالضرورة امتلاك المعرفة.

وهنا تظهر إحدى القضايا التي تستحق اهتمام الأسرة والمدرسة والمجتمع؛ إذ لم يعد كافيًا أن نعلّم أبناءنا كيفية استخدام الأجهزة والتطبيقات، بل أصبح من الضروري أن نعلّمهم كيف يفكرون في المعلومات التي تقدمها هذه الأجهزة، وكيف يميزون بين المعرفة الحقيقية والمحتوى الذي يبدو مقنعًا دون أن يكون صحيحًا.

ولعل من أكبر الأخطاء التي يمكن أن نقع فيها وصف جيل ألفا بأنه الأكثر ذكاءً لمجرد اعتياده على التعامل مع التكنولوجيا منذ طفولته.

فالذكاء الرقمي لا يعني بالضرورة امتلاك التفكير النقدي، وسرعة الوصول إلى المعلومات لا تعني القدرة على تحليلها، وكثرة المحتوى لا تعني اتساع المعرفة، كما أن الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في إنتاج الأفكار لا تعني بالضرورة فهمها أو امتلاك القدرة على تطويرها بصورة مستقلة.

ومع ذلك، لا ينبغي أن تتحول هذه المخاوف إلى موقف معادٍ للتكنولوجيا؛ فالمشكلة ليست في وجود الأدوات، وإنما في طبيعة علاقتنا بها.

لقد أصبح من غير الواقعي أن تكون التربية قائمة على إبعاد الأبناء عن العالم الرقمي، كما أنه ليس من الحكمة تركهم أمامه دون توجيه أو حدود. وبين المنع المطلق والانفتاح غير المشروط، تبرز الحاجة إلى تربية رقمية متوازنة، تجعل التكنولوجيا وسيلة لتوسيع قدرات الإنسان، لا بديلًا عن التفكير والتجربة والتفاعل الإنساني.

فالطفل يحتاج إلى أن يتعلم كيف يبحث، لكنه يحتاج أيضًا إلى الصبر عندما لا يجد الإجابة. ويحتاج إلى أدوات تساعده على الإبداع، لكنه يحتاج كذلك إلى مساحة يكتشف فيها خياله بعيدًا عن الاقتراحات الجاهزة. ويحتاج إلى التواصل مع العالم، دون أن يفقد قدرته على بناء علاقات حقيقية مع الأشخاص المحيطين به.

إن المهارات الإنسانية التي نحتاج إلى تنميتها في الأجيال الجديدة لا تقل أهمية عن المهارات التقنية؛ فالحوار، والتعاطف، والتركيز، وتحمل المسؤولية، والقدرة على اتخاذ القرار، والتعلم من الخطأ، جميعها عناصر أساسية في بناء شخصية قادرة على التعامل الواعي مع عالم تتزايد فيه قدرات الآلة.

غير أن الذكاء الاصطناعي يضيف إلى هذه المسؤولية بُعدًا أكثر تعقيدًا.

فالطفل لم يعد يتعامل مع شاشة تعرض أمامه المعلومات فحسب، بل أصبح بإمكانه التعامل مع أنظمة تحاوره وتشرح له وتساعده على إنجاز واجباته، وقد تؤثر في الطريقة التي يبحث بها ويتعلم ويكوّن بها معرفته.

وهذا التحول يفرض علينا إعادة النظر في بعض الأسئلة التربوية التي اعتدنا طرحها.

في الماضي، كنا نسأل أبناءنا: ماذا شاهدتم؟

أما اليوم، فعلينا أن نسأل أيضًا: من اختار لكم ما شاهدتم؟ ولماذا ظهر أمامكم؟ وهل ما قرأتموه حقيقي؟ ومن أنتج هذه المعلومة؟ وهل فكرتم فيها قبل أن تصدقوها؟

والأهم من ذلك كله: هل تستطيعون الوصول إلى النتيجة نفسها دون الاعتماد الكامل على الآلة؟

هذه الأسئلة ليست دعوة إلى التشكيك في كل ما تقدمه التكنولوجيا، وإنما محاولة لبناء عقل قادر على الاستفادة منها دون أن يتنازل عن استقلاليته.

لكن المسؤولية لا ينبغي أن تقع على الأسرة والمدرسة وحدهما.

فالشركات التي تطور المنصات الرقمية وأنظمة الذكاء الاصطناعي تتحمل بدورها مسؤولية أخلاقية وتقنية في تصميم منتجات تراعي أعمار مستخدميها، وتحمي خصوصية الأطفال، وتحد من تعرضهم للمحتوى الضار والمضلل، وتوفر قدرًا مناسبًا من الشفافية بشأن آليات عمل الخوارزميات.

فليس من المنطقي أن نطالب الطفل وحده بالوعي الكامل في مواجهة أنظمة معقدة صُممت لجذب انتباه المستخدمين والتأثير في اختياراتهم.

إن بناء بيئة رقمية آمنة يتطلب مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمؤسسات التعليمية والشركات التقنية والجهات التنظيمية، بحيث تصبح حماية الإنسان وتنمية قدراته جزءًا من أهداف التطور التكنولوجي، لا مجرد محاولة لمعالجة آثاره بعد وقوعها.

ومع كل هذه التحولات، من الخطأ أن ننظر إلى الاختلاف بين الأجيال باعتباره صراعًا بين جيل أفضل وآخر أسوأ. فالأجيال ليست مسابقة، ولا يمكن اختزال ملايين البشر في مجموعة من الصفات الثابتة، كما أن الظروف الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية تؤثر في تجارب الأفراد، حتى عندما ينتمون إلى الجيل نفسه.

لكن قيمة المقارنة بين الأجيال تكمن في قدرتها على مساعدتنا في فهم التحولات التي مر بها المجتمع، والظروف التي ساهمت في تشكيل تجارب أبنائه.

فالجيل السابق لزد عرف عالمًا كانت فيه الحياة اليومية أقل اتصالًا بالشبكة.

وجيل زد عاصر مراحل متسارعة من الانتقال إلى الحياة الرقمية.

أما جيل ألفا، فقد فتح عينيه ليجد نفسه داخلها.

ثلاث تجارب مختلفة لم تتغير بينها التكنولوجيا وحدها، بل تغيرت معها وسائل التواصل، وطرق التعلم، ومصادر المعرفة، والعلاقة بين الإنسان والمعلومة.

ولهذا، ربما لا يكون السؤال الأهم: أي الجيلين أفضل، جيل زد أم جيل ألفا؟

السؤال الأجدر بنا هو:

ماذا سيحدث للإنسان عندما تصبح التقنية جزءًا من تكوينه منذ سنواته الأولى؟

إن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس إلى أي مدى ستتطور التكنولوجيا، بل أي إنسان نريد أن نُعِدّ لعالم تتسارع فيه قدرات الآلة.

فقد نمنح أبناءنا أسرع الأجهزة، وأذكى البرامج، وأوسع مصادر المعرفة، وقد نضع بين أيديهم ذكاءً اصطناعيًا يجيب عن آلاف الأسئلة في ثوانٍ، لكننا لن نكون قد منحناهم المستقبل ما لم نمنحهم القدرة على التفكير باستقلالية، والتمييز بوعي، والاحتفاظ بإنسانيتهم وسط هذا التحول الهائل.

فالتكنولوجيا تستطيع أن تختصر المسافات، لكنها لا تستطيع أن تعيش تجاربنا نيابة عنا، وقد تمنحنا الإجابات، لكنها لا ينبغي أن تسلبنا متعة البحث وحرية السؤال.

وأعظم ما يمكن أن نورثه لجيل وُلد في الجهة الأخرى، ليس عالمًا تمتلك فيه الآلة إجابة عن كل سؤال، بل إنسانًا يمتلك الشجاعة ليطرح أسئلته بنفسه، والعقل الذي يميز به الإجابات، والوعي الذي يعرف به متى يستعين بالتكنولوجيا ومتى يستغني عنها.

فمستقبل أبنائنا لا تصنعه الأجهزة التي نضعها بين أيديهم، بل يصنعه الوعي الذي نغرسه في عقولهم، والقيم التي نزرعها في نفوسهم، والاتزان الذي نبني به شخصياتهم؛ فالأجيال لا تنهض بما تمتلكه من تقنية، بل بما تحمله من فكرٍ وقيم.

أن نعلّمهم كيف يفكرون، لا ماذا يفكرون؛ وكيف يستخدمون التقنية، دون أن يسمحوا للتقنية بأن تستخدمهم.