آخر تحديث: 28 / 9 / 2026م - 12:43 ص

الإتقان حين يكون العمل أمانة

الدكتور ماهر آل سيف *


ليس كلُّ من امتلك منبرًا صار مرشدًا، ولا كلُّ من لبس معطفًا صار طبيبًا، ولا كلُّ من حمل مخططًا صار مهندسًا، ولا كلُّ من اندفع بحماسٍ صار متطوعًا ناجحًا؛ فبين الرغبة والقدرة مسافة، وبين المعرفة والممارسة أمانة، وبين الاجتهاد والإتقان حياةٌ قد تُبنى أو تُهان.

صاحب المنبر حين يتحدث في الدين لا يلقي كلمةً وتنتهي، بل قد يصنع قناعةً تبقى سنين، ويتناقلها عشرات ثم مئات وربما آلاف. والفتوى ليست خاطرةً عابرة، والدين ليس حقل تجارب؛ فإن لم تُدرس المسألة، وتُمَحَّص الأدلة، ويُراجع أهل الاختصاص، فالصمت أحيانًا علم، والتوقف أحيانًا ورع، وقول «لا أعلم» خيرٌ من جوابٍ يضل به السائل ويضل معه الدليل.

والطبيب كذلك؛ لا يصف دواءً قبل تشخيص، ولا يجرب في جسد إنسان ما لم يطمئن إليه بعلمٍ وبرهان؛ لأن خلف الوصفة قلبًا ينبض، وأسرةً تنتظر، وحياةً قد تنجو بدقة، أو تتأذى بعجلة. ولذلك لا تنتهي دراسة الطبيب بالشهادة، بل تبدأ معها رحلة المتابعة والقراءة والمراجعة والإفادة.

والمهندس إن أخطأ في حساب الحديد أو الخرسانة أو الجسور والأعمدة، فلن يسقط خطؤه على الورق، بل قد يسقط السقف على من تحته؛ فالخط المستقيم في المخطط قد يكون أمان أسرة، والرقم الخاطئ قد يكون مأساة عمر.

وكذلك المتطوع في العمل الخيري؛ فحسن النية لا يغني عن حسن الإدارة. إن لم يُتقن التوزيع، ويحفظ المال، ويعرف حاجة المحتاج، فقد يضيّع مال الفقير باسم مساعدته، وينفّر المتبرع باسم خدمته، ويشوّه العمل الخيري وهو يظن أنه يحسن صنعًا. وكذلك في النادي والمجلس والجمعية؛ فالتطوع تكليف لا تجريب، وخدمة لا تشريف، ومسؤولية لا مجرد حماس وتصفيق.

والميكانيكي قد يتعلق بإتقانه أمان طريق، والطباخ تتعلق بنظافته صحة إنسان، والحلاق بأدواته سلامة بدن، ومدير الشركة بقراره أرزاق بيوت ومستقبل موظفين؛ فكل مهنة لها أثر، وكل أثر وراءه بشر.

ولذلك وضع القرآن ميزانًا جامعًا فقال: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ ؛ قوةٌ بلا أمانة خطر، وأمانةٌ بلا قدرة عجز، وإنما يكتمل العمل حين تجتمع الكفاءة مع النزاهة، والمعرفة مع المسؤولية، والمهارة مع الأمانة.

ورُوي عن رسول الله ﷺ: «إنَّ اللهَ تعالى يحبُّ إذا عملَ أحدُكم عملًا أن يُتقِنَه»؛ وما أعظمها من قاعدةٍ لو أصبحت منهج حياة: فلا كثرة عمل بلا جودة، ولا سرعة إنجاز بلا دقة، ولا تصدّر بلا علم، ولا قرار بلا تمحيص؛ بل عملٌ يُحسن، وأمانةٌ تُصان، ومسؤوليةٌ تُراعى، ونتيجةٌ يطمئن إليها الإنسان.

وقال رسول الله ﷺ: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء»؛ فالإحسان ليس زيادةً تجميلية، بل ثقافةٌ في التفكير والتنفيذ والتدقيق والتطوير. وقال أمير المؤمنين علي : «قيمة كل امرئ ما يحسن»؛ فقيمة الإنسان المهنية ليست فيما يدّعيه، بل فيما يجيده، وليست فيما يبدأه، بل فيما يتمّه بإحكام.

ورُوي عن الإمام الصادق : «العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق، لا تزيده سرعة السير إلا بُعدًا»، وروي أيضًا: «من عمل على غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح».

فلا تبدأ قبل أن تتعلم، ولا تتصدر قبل أن تتأهل، ولا تعد قبل أن تقدر، ولا تُجَرِّب في حقوق الناس وأرواحهم وأموالهم؛ ادرس قبل أن تعمل، وخطط قبل أن تنفذ، ودقق قبل أن تسلّم، وراجع قبل أن تقرر.

فالعمل المتقن صدقةٌ في المهنة، وأمانةٌ في الذمة، وراحةٌ للناس، ورفعةٌ لصاحبه؛ أما العشوائية فقد تبدأ بخطأٍ صغير، ثم تنتهي بخسارةٍ كبيرة.

الإتقان ليس أن تعمل كثيرًا… بل أن تعمل صحيحًا؛ وليس أن تنتهي سريعًا… بل أن تنتهي أمينًا.