آخر تحديث: 28 / 9 / 2026م - 12:43 ص

تأملات في البسملة

محمد الدعيلج


”بسم الله الرحمن الرحيم“

ما أعجب هذه الكلمات!

قصيرةٌ في مبناها، واسعةٌ في معناها، كلما مرّ بها اللسان ألفها، وكلما تأملها القلب اكتشف فيها جديدًا.

بسم الله الرحمن الرحيم.

كلماتٌ نفتح بها كتاب الله، ونستفتح بها أعمالنا، ونستعين بها حين نُقبل على أمرٍ جديد؛ وكأنها المفتاح الذي وُضع في يد الإنسان ليطرق به أبواب الحياة وهو مطمئنٌّ أن وراءه رباً لا تضيع عنده الخطى.

تأمل بدايتها…

لم يقل: أبدأ، وإنما قال: بسم الله.

وكأن الإنسان لا يبدأ بنفسه، ولا بقدرته، ولا بحوله؛ وإنما يبدأ بالله.

وفي حرف الباء وحده معنى يستوقف القلب؛ باءٌ توحي بالاستعانة والمصاحبة، كأنك تقول: أبدأ مستعيناً بالله، مستصحباً اسمه، مستنداً إلى قدرته، مستظلاً برحمته.

ثم يأتي الاسم الجليل:

الله.

اسمٌ إذا استقر في القلب، استقامت أشياء كثيرة في داخله؛ فالذي تقول باسمه: هو ربك، ومولاك، ومدبر أمرك، ومن إليه تنتهي كل الأسباب.

ثم تأتي بعدها كلمتا الرحمة:

الرحمن الرحيم.

وكأن ترتيب البسملة يفتح للقلب باباً من الطمأنينة بعد باب الاستعانة؛ أنت تبدأ باسم الله، ثم تتذكر أنه الرحمن الرحيم.

وما أوسع الفرق بين أن تبدأ أمراً وأنت وحدك، وأن تبدأه وأنت تستشعر رحمة الله معك!

إنها ليست جملة افتتاحية؛ بل إعادة ترتيب لعلاقة الإنسان بالحياة.

قبل أن تعمل: بسم الله.

قبل أن تتكلم: بسم الله.

قبل أن تخطو: بسم الله.

وكأنها تقول لك في كل مرة:

لا تجعل نفسك مركز العالم، ولا تجعل قدرتك أهم ما تعتمد عليه؛ هناك ربٌّ أكبر من خوفك، وأوسع من همّك، وأعلم منك بما يصلح لك.

ومن لطائف البسملة أن البركة فيها ليست كلمةً تُقال، بل معنى يُستصحب.

فالعمل الذي يبدأ بذكر الله، لا يصبح بالضرورة سهلاً، ولا يخلو من المشقة؛ لكن صاحبه يدخل إليه بروحٍ مختلفة، لأنه لم يدخل متكلاً على نفسه وحدها.

وهنا يكمن شيء من سر البركة:

أن يكون الله حاضراً في البداية.

فكم من بدايةٍ صغيرة فتح الله لها أبواباً لم تكن في الحسبان!

وكم من خطوةٍ متواضعة باركها الله حتى امتدت آثارها أبعد مما ظن صاحبها!

والبركة ليست دائماً زيادةً تراها العين؛ قد تكون في وقتٍ قصير ينجز كثيراً، أو في كلمةٍ عابرة تغيّر قلباً، أو في عملٍ قليل يبقى أثره طويلاً.

والبسملة تعلمنا شيئاً آخر لا يقل جمالاً:

أن الإنسان مهما بلغ من القدرة، يظل محتاجاً إلى الله.

فهي تردّ القلب إلى موضعه الصحيح؛ فلا تغترّ بما في يدك، ولا تيأس مما ليس في يدك.

قل:

بسم الله.

ثم امضِ.

افعل ما تستطيع، وخذ بالأسباب، واجتهد، ثم دع ما وراء قدرتك لمن لا يعجزه شيء.

ولعل أجمل ما في البسملة أنها تصل الدنيا بالسماء في لحظة واحدة.

أنت في عالم الأسباب، لكن قلبك معلّق بمسبب الأسباب.

تفتح باباً وتقول: بسم الله.

تبدأ سفراً وتقول: بسم الله.

تشرع في عملٍ وتقول: بسم الله.

وكأنك في كل مرة تضع توقيعاً صغيراً على بداية يومك، تقول فيه:

يا رب، لا أبدأ بعيداً عنك.

وهكذا تصبح البسملة أكثر من ذكرٍ على اللسان؛ تصبح منهجاً في الحياة.

أن تكون بداياتك بالله،، وثقتك بالله، وأن تعرف أن ما كتبه الله لك سيأتيك، وأن ما لم يكتبه لك لن تبلغه ولو اجتمعت لك الأسباب.

أربع كلمات فقط…

لكنها تستطيع أن تنقل الإنسان من القلق إلى السكينة، ومن التردد إلى الطمأنينة، ومن الاعتماد على النفس إلى الاستعانة بالله.

بسم الله الرحمن الرحيم.

ما أوسعها من كلمات!

وما أعمقها من بداية!

وما أحوجنا، ونحن نركض في الحياة خلف ألف شيء، أن نتوقف أحياناً عند هذه الكلمات، لندع معانيها تستقر في أعماقنا.

بسم الله…

ثم ابدأ.

فما دام الله معك، فليس عليك أن تعرف كل الطريق؛ يكفي أن تعرف إلى من تستند

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
مصطفى صالح الزير
[ القطيف-الجش ]: 27 / 9 / 2026م - 4:54 م
أحسنتم كثير وفتح الله لكم كل أبواب الخير.
عن علي عليه‌السلام ـ في حديث ـ أن رجلا قال له : إن رأيت أن تعرفني ذنبي الذي امتحنت به في هذا المجلس ، فقال : تركك حين جلست أن تقول : بسم الله الرحمن الرحيم ، إن رسول الله صلى‌ الله‌ عليه ‌وآله حدثني عن الله عز وجل أنه قال : كل أمر ذي بال لا يذكر بسم الله فيه فهو أبتر.