آخر تحديث: 30 / 9 / 2026م - 12:45 ص

البذرة الأولى

أنيس آل دهيم *


يولد الإنسان وفي داخله ميل إلى الخير، يتألم إذا رأى مظلوماً، ويفرح إذا استطاع أن يجبر خاطر إنسان. تلك هي الفطرة، البذرة الأولى التي أودعها الله في النفس. لكن البذرة، مهما كانت طيبة، تحتاج إلى من يرعاها، فقد تأتي عليها رياح الغضب، أو تُغريها المصلحة، أو تُتعبها قسوة التجارب.

قد يكون المرء لطيفاً لأنه لم يُستفز، وصادقاً لأنه لم يخشَ الخسارة، وعادلاً لأن العدل وافق مصلحته. وهذه خصال جميلة لا يجوز أن نقلل من شأنها. لكن أخلاق الإنسان تُعرف على نحو أعمق حين تتغير الظروف: حين يقدر على الانتقام فيعفو، وحين يستطيع أن يكذب لينجو لكنه يختار الصدق مهما كانت العقوبة، وحين يُطلب منه أن ينصف من يختلف معه فيفعل. هناك تتحول الأخلاق من ميل طيب إلى موقف واعٍ، وإيمان خالص.

وفي تراث أهل البيت ، يرتبط العقل بالعمل الصالح. سُئل الإمام الصادق عن العقل، فقال: «ما عُبِدَ به الرحمنُ واكتُسِبَ به الجِنان». فالعقل في هذا المعنى ليس كثرة المعلومات، بل بصيرة تعين الإنسان على اختيار ما يرضي الله حين تتزاحم عليه رغباته ومخاوفه.

وتأملوا قول أمير المؤمنين علي عن تربية نفسه: «إنما هي نفسي أروضها بالتقوى». ما أصدق كلمة - أروضها! فهي تذكرنا بأن النفس تحتاج إلى صبر ومراجعة وتدريب. لا يكفي أن علمي بأن الحلم فضيلة إذا تركت غضبي يؤذي من حولي، ولا أن أمدح الرحمة إذا قسوت على من لا يملك الدفاع عن نفسه.

لهذا أرى أن الأخلاق النابعة من الوعي قد تكون أعمق تأثيراً عندما تمتحنها الحياة، لأن صاحبها يعود إليها عن فهم واختيار، حتى حين يصبح الالتزام بها شاقاً. لكن الوعي نفسه يحتاج إلى قلب حي، كما تحتاج الفطرة إلى عقل يهديها ومجاهدة تحفظها. لا يولد الإنسان وقد اكتملت رحلته الأخلاقية، وإنما يبدأها ببذرة، ثم يختار كل يوم كيف يسقيها.

ولعل أجمل ما نتركه في نفوس أبنائنا أن نساعدهم على فهم الخير، لا أن نطلب منهم فعله فحسب: لماذا نصدق إذا خفنا؟ لماذا نعدل إذا اختلفنا؟ ولماذا نرحم ونحن قادرون على القسوة؟ حين يجدون جواب هذه الأسئلة في قلوبهم وعقولهم، يصبح الخلق جزءاً من شخصياتهم، ويظل معهم حتى عندما لا يراهم أحد.