حينما تتحول القوة إلى استعراض فارغ
قراءة نقدية لقصة «به بهاق ليس أبيض» للقاص السعودي حسن علي البطران
يمكن قراءته نقدياً بوصفه نصاً ساخراً ومشحوناً بالمفارقة، لا بوصفه حكاية تاريخية مباشرة. قوته ليست في سرد الحدث بقدر ما هي في وضع شخصية تتحدث بلغة القوة والتهديد أمام واقع ينتهي إلى العجز والقصة ”به بهاق ليس أبيض“:
[ هدد بسحق أرضهم،
فاجأوه بالرد المدوي..
صُفق لهم، ومُزقت صحيفة تهديده، خلع نعاله كي يغسل رجليه من النهر، لكنه لم يستطع..! ].
1- عنوان ”به بهاق ليس أبيض“ يفتح منذ البداية باب المفارقة؛ فالبهاق يرتبط ظاهرياً باللون الأبيض، لكن عبارة ”ليس أبيض“ تنفي المعنى السطحي وتوحي بأن الكاتب يريد من القارئ ألا يأخذ الوصف كما يبدو، بل يبحث عما وراءه. وهنا يبدأ النص في بناء شخصية تبدو قوية في خطابها، لكنها ليست بالضرورة كذلك في فعلها.
2- عبارة ”هدد بسحق أرضهم“ تمثل ذروة الخطاب المتعالي؛ فالفعل ”سحق“ يحمل لغة القوة والإخضاع، وكأن الشخصية تمتلك القدرة على تغيير مصير الآخرين بقرار منها. لكن النص لا يمنحها فرصة لتحقيق تهديدها، 3- إذ يأتي مباشرة: ”فاجأوه بالرد المدوي“. المفارقة هنا أن من يهدد بالسحق يصبح هو نفسه أمام قوة مضادة لم يحسب حسابها.
4- ثم تأتي عبارة ”صُفق لهم، ومُزقت صحيفة تهديده“ لتكمل عملية إسقاط هيبة الشخصية. فالتهديد الذي أراد أن يكون وثيقة قوة يتحول إلى ورقة ممزقة، والتصفيق الذي كان يمكن أن يكون احتفاءً به يتحول إلى احتفاء بخصومه. وهذه من أبرز المفارقات في النص: اللغة التي أرادت صناعة الهيبة تنتهي إلى صناعة السخرية من صاحبها.
5- أما الجملة الأخيرة، ”خلع نعاله كي يغسل رجليه من النهر، لكنه لم يستطع“، فهي أكثر أجزاء النص إثارة للتأويل. بعد كل تلك اللغة الكبيرة عن سحق الأرض والتهديد، ينتهي المشهد أمام فعل بسيط جداً: شخص يريد أن يغسل قدميه من النهر، لكنه يعجز عن ذلك. وهنا تنقلب موازين النص بصورة ساخرة؛ فالشخص الذي بدا قادراً على سحق أرض الآخرين لا يستطيع حتى أن يحقق فعلاً صغيراً يتعلق بقدميه وماء النهر.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم النص باعتباره نقداً لخطاب القوة حين يتحول إلى استعراض فارغ. فالقوة الحقيقية لا تُقاس بحجم التهديدات التي يطلقها الإنسان، وإنما بقدرته على مواجهة النتائج حين يأتي الرد. وكلما ارتفعت نبرة التهديد، ازدادت المفارقة عندما ينتهي صاحبها عاجزاً أمام تفصيل صغير.
النص كذلك يستخدم التضاد بين الكبير والصغير: سحق الأرض في مقابل غسل القدمين، التهديد في مقابل العجز، صحيفة التهديد في مقابل تمزيقها، والهيبة المعلنة في مقابل النتيجة الهزلية. وهذا التضاد هو الذي يمنح النص طابعه الساخر والناقد.
فالنص ينتقد وهم القوة حين تتحول القوة من فعل حقيقي إلى مجرد خطاب، ويكشف أن الإنسان الذي يبالغ في تهديد الآخرين قد يكتشف في النهاية أن عجزه عن مواجهة الواقع أكبر من قدرته على تخويف الآخرين بالكلمات.












