آخر تحديث: 30 / 9 / 2026م - 11:27 م

حين تستعيد العمارة الحديثة ذكاء المكان

إسماعيل هجلس *

منذ أكثر من ثلاثين عامًا، بدأت في القطيف تجربة معمارية لافتة للنظر، حاولت أن تشق طريقًا مختلفًا لم نعتد عليه في البناء؛ من حيث الشكل واللون والأسلوب؛ طريقة تستلهم العمارة الإسلامية والتقليدية، بعيدًا عن تكرارها أو محاكاة أشكالها، وإنما بفهم فلسفتها ومعناها وعلاقتها بالإنسان والمناخ والمادة.

كنت أستمع دون رأي

كان لدى بعض المعارف المقربين رغبة في العودة إلى طريقة البناء القديمة، وإلى البيئة وموادها، ومحاولة التقرب منها من خلال البناء. وكنت أجلس وأستمع كثيرًا إلى المناقشات والحوارات والأحاديث التي تدور بينهم، كأخي المرحوم المهندس عبدالرزاق هجلس، والمهندس بسام العوامي، وأختي فاطمة، وغيرهم.

كنت أسمع عن أسماء مثل سامي عنقاوي، وعبد الواحد الوكيل، وحسن فتحي، وراسم بدران، وغيرهم، وعن طريقتهم في التفكير في البناء ومشاريعهم. وفي سياق الحديث عن الرغبة في البناء بالطريقة التقليدية، كان الأمر غريبًا وغير مفهوم؛ بناء من دون أعمدة خرسانية، معتمدًا على القباب والأقبية والجدران الحاملة، والأغرب من ذلك: من دون الاعتماد على الخرسانة والحديد.

لذلك كان الموضوع شائكًا جدًا، وكان اتخاذ القرار غير سهل؛ إذ لم يكن الأمر مجرد اختيار شكل معماري مختلف، بل كان محاولة لاختبار طريقة بناء كاملة، لها متطلباتها وتحدياتها ومخاطرها.

ليست مجرد مواد

ولم يكن البحث عن المواد محصورًا في مصدر واحد، فقد جاءت مواد وتجارب من خارج الوطن، من الهند وإيران ومصر والمغرب وبعض الدول الأوروبية، في محاولة للوصول إلى مواد أكثر قربًا من الطبيعة، وأكثر انسجامًا مع فكرة البناء والبيئة.

ومن التجارب المبكرة بيت المهندس بسام العوامي في مدينة القطيف، الذي بُني من الطوب الأحمر، وكان للمهندس عنان محمد علي دور مهم في تصميمه وصياغة توجهه المعماري.

وهنا لا بد من تصحيح معلومة مهمة؛ فالمعماري عنان محمد علي ليس من تلامذة حسن فتحي، وإنما كان من المتأثرين بأفكاره والمؤمنين ببعض مبادئه في العمارة، وخصوصًا ما يتعلق بالمواد المحلية، والبناء بالطوب، والعمارة المرتبطة بالبيئة والإنسان.

وكان للمهندس بسام العوامي ومكتب المرحوم المهندس عبدالرزاق هجلس دور في وضع وتصميم هذه التجربة في بداياتها، ومتابعة تنفيذها والإشراف عليها، إلى جانب جهود المعماري عنان في بلورة الفكرة المعمارية وصياغة توجهها.

لم تكن هذه البيوت مجرد محاولة لاستبدال الخرسانة بالطوب، وإنما كانت تجربة تبحث عن طريقة مختلفة في بناء البيت؛ بيوت تعتمد على الجدران الحاملة، والقباب والأقبية، وتستفيد من الفناء الداخلي، والظل، والضوء، والهواء، والماء، بما يحقق للبيت قدرًا من الراحة والارتباط بالبيئة.

وكانت التجربة في بداياتها تحمل شيئًا من المغامرة؛ لأن البناء بهذه الطريقة لم يكن هو السائد، كما أن الحرفيين والأيدي العاملة القادرة على تنفيذ تفاصيله لم تكن متوفرة بسهولة.

بيتٌ واجه الأسئلة والاعتراضات قبل أن يكتمل

وعندما ظهر هذا البناء، أو ما أحب البعض أن يسميه «البيت الأحمر»، إلى الناس، لم يمر دون أسئلة واعتراضات.

ما هذا البيت؟ وكيف يُبنى بيت من دون الخرسانة والحديد؟

كان البعض يعترض على ارتفاع التكلفة، وآخرون يرون أن صيانة هذا النوع من البناء قد تكون أكثر صعوبة، بينما أشار آخرون إلى طول مدة التنفيذ، وقلة الأيدي العاملة المدربة والقادرة على التعامل مع هذه المواد والحرف والتفاصيل.

كانت كلها تحديات حقيقية، وليست مجرد آراء عابرة، لكن هذه الاعتراضات لم تثنِ المعماري والمقاول والمشرف، والأهم صاحب البيت وعائلته، عن الاستمرار في الفكرة وتنفيذها.

وكانت التجربة بحاجة إلى أصحاب بيوت يؤمنون بها، لأن الفكرة مهما كانت جميلة على الورق لا يمكن أن تصبح واقعًا من دون شخص مستعد لأن يخوض التجربة ويقبل بتحدياتها.

إصرار وإرادة

فقد كان هناك إيمان بأن بناء مثل هذا البيت، «بيت العمر»، لا يقاس فقط بسرعة الإنجاز أو سهولة التنفيذ، وإنما بما يتركه البيت من قيمة، وما يقدمه للإنسان من راحة، وما يحمله من علاقة بالمكان والذاكرة والمواد.

ومن هنا يمكن فهم تجربة عدد من أصحاب البيوت الذين خاضوا هذه الطريق، ومنهم نزار النصر وعلي الحجي في سيهات، وعدنان العوامي وعلوي الخباز في القطيف، وعبدالعزيز الخويطر في الخبر، والهميلي في العوامية.

وكان عبدالعزيز الخويطر من أكثر الأشخاص معرفة وإيمانًا بهذه التجربة، وكان لديه فهم واضح لفكرتها وقيمتها.

وهذا التردد مفهوم؛ فالمسألة لم تكن مجرد بناء بيت بطريقة مختلفة، وإنما اتخاذ قرار كبير في وقت كانت فيه هذه الطريقة غير مألوفة، وتحمل في داخلها الكثير من الأسئلة حول التكلفة والتنفيذ والصيانة والوقت.

خارج الواحة

ولم تكن هذه المحاولات حكرًا على القطيف وحدها، فقد ظهرت نماذج في سيهات والعوامية والخبر، نفذها معماريون ومهندسون ومواطنون سعوا إلى تقديم بيوت حديثة مختلفة، تستلهم شيئًا من روح العمارة التقليدية، سواء في توزيع الفراغات، أو استخدام المواد، أو اللون، أو حضور الفناء والأروقة والظل والماء، أو في العناية بالتفاصيل والحرف اليدوية.

ومن هذه التجارب جاءت لاحقًا تجربة بيت عمر أبو السعود في الخبر، التي كانت ثمرة تراكم من معرفة وتجربة خلال السنوات السابقة، ونُفذت بالتعاون بين المعماري محمد حموية ومكتب هجلس بالقطيف، في محاولة للاستفادة من تجربة البناء بالطوب وتطويرها ضمن بيت حديث.

وهنا تظهر أهمية التجارب الأولى؛ فهي لا تنتهي عند المبنى الذي شُيد، وإنما تفتح الطريق لتجارب أخرى، وتمنح أصحابها ومصمميها قدرًا أكبر من المعرفة والثقة.

وبعد نحو خمسة عشر عامًا من هذه التجربة، قرر المهندس شاكر عبد الجبار أن يبني بيته بالطريقة نفسها، من تصميم المعماري عنان محمد علي وتحت إشرافه.

وهنا تبدو قيمة الزمن في هذه التجارب؛ فالفكرة التي كانت في بدايتها موضع تساؤل، عادت بعد سنوات لتجد من يختارها عن قناعة، مستفيدًا من الخبرة التي تراكمت من البيوت السابقة.

استعادة ذكاء الفراغ

التجربة لم تتوقف عند المواد أو الشكل أو الأيدي العاملة أو توفير الحرفيين، بل امتدت إلى محاولة استعادة ذكاء الفراغ المعماري.

فحضرت الأروقة لتوفر الظل وتحقق انتقالًا هادئًا بين الداخل والخارج، وظهرت «الشمسة»، الفتحة السماوية، لتمنح البيت الضوء والهواء، وجاء «الحوي»، الفناء الداخلي، ليكون قلب البيت ومتنفسه.

وأضافت بركة السباحة حضور الماء وما يصاحبه من إحساس بالانتعاش والراحة، وحضر الشجر وحضرت الزراعة، وكان الظل جزءًا أساسيًا من تشكيل المكان.

فالبيت لم يكن مجرد جدران وسقف، وإنما منظومة من الفراغات صُممت لتُعاش؛ للجلوس، والخصوصية، والراحة، والتأمل، والحركة الهادئة بين الضوء والظل، وانحناء الممرات أو انكسارها لحجب الرؤية.

ومن هنا يمكن أن نفهم حضور الغرف البعيدة أيضًا، «الخلوة»، ذلك الفراغ الذي يمنح الإنسان خصوصيته وهدوءه، ويتيح له الابتعاد قليلًا عن صخب الحياة اليومية.

هذه العناصر ليست مجرد مفردات تراثية تستعاد لأجل الشكل، وإنما حلول نشأت من فهم الإنسان لتاريخه وبيئته وحاجاته.

ولذلك فإن استلهامها في البيت الحديث لا يعني العودة إلى الماضي، بل إعادة قراءة ما فيه من معرفة يمكن أن تخدم الإنسان المعاصر.

العمارة ليست شكلًا فقط

فالهوية المعمارية لا تسكن في الزجاج الملون، ولا في القوس أو الزخرفة أو النافذة وحدها، وإنما في طريقة التفكير في المكان والإنسان والمادة.

حين نستخدم «الحوي»، الفناء الداخلي، فإننا لا نستعيد شكله فقط، بل نستعيد فكرة أن للبيت قلبًا يتنفس.

وحين نستخدم الأروقة، فإننا لا نقلد ممرًا قديمًا، بل نستعيد فكرة الظل والانتقال التدريجي بين الداخل والخارج.

وحين نفتح «الشمسة»، الفتحة السماوية، فإننا لا نكرر عنصرًا تراثيًا، بل نعيد للضوء والهواء حضورهما في تشكيل المكان.

وحين نضع الشجر والماء في قلب الفراغ، فإننا لا نضيف عنصرًا للزينة، بل نستحضر علاقة قديمة بين الماء والراحة والإنسان.

وهكذا تصبح العمارة التقليدية مخزونًا من الأفكار، لا مجرد مخزون من الأشكال.

ذاكرة معمارية تحتاج إلى التوثيق

هذه التجارب المتفرقة في القطيف وسيهات والعوامية والخبر تستحق أن تُجمع وتُوثق، بما يشمل أسماء أصحابها، ومصمميها، وحرفييها، وموادها، وأفكارها، وصور مراحل بنائها.

فهي تمثل جانبًا من تاريخ العمارة الحديثة في المنطقة الشرقية، وربما كانت أكثر أهمية مما نتصور؛ لأنها تكشف عن محاولات مبكرة للبحث عن علاقة أكثر توازنًا بين الحداثة والهوية، وبين المادة والبيئة، وبين البيت والإنسان.

كما تكشف عن مرحلة لم يكن فيها الحديث عن الاستدامة والمواد الطبيعية والعمارة المرتبطة بالمناخ حاضرًا بالصورة التي نراها اليوم، ومع ذلك كان هناك من يحاول أن يختبر هذه الأفكار عمليًا، وبوسائل محدودة، وبإصرار شخصي.

وربما آن الأوان أن نعيد النظر في هذه المباني، لا باعتبارها بيوتًا خاصة فحسب، وإنما بوصفها وثائق معمارية حية لمرحلة حاول فيها بعض أبناء المنطقة أن يجدوا طريقًا ثالثًا:

لا هو تكرار للماضي، ولا قطيعة معه.

بل عمارة حديثة تعرف من أين جاءت، وتعرف لماذا اختارت أن تُبنى بهذه الطريقة.

فأجمل ما يمكن أن تُورثه لنا العمارة القديمة ليس شكلها، بل حكمتها ومعناها.

والعمارة التي تنتمي إلى المكان ليست بالضرورة قديمة، وليست بالضرورة حديثة، لكنها تحمل في داخلها ذاكرة المكان وذكاءه.