اليومُ ليس كالأمس

يستقبلُ الإنسانُ في كلِّ صباحٍ يومًا جديدًا من عمره، يومًا لم يعشه من قبل، وقد لا يدرك وهو يفتح عينيه أنَّ هذا اليوم جزءٌ من عمره الذي يمضي ولا يعود. فالأيام ليست مجرّد أرقامٍ تتغيّر في التقويم، ولا ساعاتٍ تتكرّر بالطريقة نفسها، وإنّما هي مساحاتٌ جديدةٌ من الحياة، تحمل معها فرصًا للعمل، والتصحيح، والتعلّم، والتجديد.
فعمرُ الإنسان يمضي يومًا بعد يوم، وتتغيّر معه الأحداثُ والظروفُ والأعمال. قد يكون يومه مليئًا بالإنتاج والحركة، وقد يمرُّ عليه يومٌ تتعطّل فيه بعض أموره، وقد ينجح اليوم فيما أخفق فيه بالأمس، أو يكتشف طريقًا جديدًا لم يكن يفكّر فيه من قبل. وهكذا تتشكّل الحياة من أيامٍ متتابعة، وكلُّ يومٍ منها يمكن أن يضيف إلى الإنسان شيئًا، إذا عرف كيف يستقبله وكيف يستفيد منه.
ولهذا فإنَّ الإنسان الذي يعيش حياته بوعي لا يجعل يومه نسخةً مكرّرةً من الأمس، ولا ينتظر أن تأتيه الأيام بما يريد وهو ثابتٌ في مكانه. بل ينظر إلى كلِّ صباحٍ على أنَّه بدايةٌ جديدة، يحمد الله على أن مدَّ في عمره، ثم يسأل نفسه: ماذا سأضيف اليوم إلى حياتي؟ وما الذي أستطيع أن أصلحه؟ وما العمل الذي يمكن أن أنجزه ولو كان بسيطًا؟
وقد ورد في الرواية، قال الإمام الصادق
»: مَنِ اسْتَوَى يَوْمَاهُ فَهُوَ مَغْبُونٌ» معاني الأخبار للشيخ الصدوق، ص 342، باب معنى المغبون، الحديث 3.
وهي من الكلمات التي تختصر قيمة الزمن في حياة الإنسان، وتلفت النظر إلى أنَّ مرور الأيام من دون زيادةٍ في الخير أو العمل أو الوعي خسارةٌ لا يشعر بها الإنسان أحيانًا إلّا بعد أن يتقدّم به العمر.
والمقصود ليس أن يحقّق الإنسان في كلِّ يومٍ إنجازًا كبيرًا، أو أن تتحوّل حياته إلى سباقٍ لا يتوقّف، وإنّما ألّا يكون يومه خاليًا من أيِّ تقدّم. فقد يكون التجديد في علمٍ تعلّمه، أو عملٍ أنجزه، أو خطأٍ أصلحه، أو علاقةٍ أحسنها، أو عبادةٍ حافظ عليها، أو فكرةٍ غيّر بها جانبًا من حياته إلى الأفضل. فالتقدّم لا يُقاس دائمًا بحجم العمل، وإنّما باستمرار الحركة وعدم الاستسلام للجمود.
وفي المقابل يوجد مَن تمرُّ عليه الأيام ولا يكاد يفرّق بينها إلّا برقم التاريخ. الأمس يشبه اليوم، واليوم يشبه ما سيأتي بعده؛ الوقت نفسه، والعادات نفسها، والنوم والكسل وهدر الساعات في أمورٍ لا تضيف إلى حياته شيئًا. ومع مرور الشهور والسنوات يكتشف أنَّ عمرًا طويلًا قد انقضى، بينما لم يتغيّر فيه إلّا التاريخ.
وهذه من أشدِّ صور الخسارة؛ لأنَّ المشكلة ليست في أنَّ الإنسان لم يحقّق كلَّ ما يريد، بل في أنَّ الرغبة في التقدّم نفسها بدأت تضعف داخله. فإذا اعتاد الجمود أصبح الكسل طبيعيًّا، وأصبح تأجيل الأعمال عادة، وأصبح الغد مجرّد نسخةٍ أخرى من اليوم، حتى يفقد الإنسان شعوره بقيمة الزمن الذي يمر.
أمّا الإنسان الإيجابي فينظر إلى يومه الجديد بصورةٍ مختلفة. يرى في إشراقة الصباح إطلالةً أخرى على الحياة، وبعد الحمد والشكر لله يبدأ يومه وهو يحمل رغبةً في أن يكون أفضل من أمس. لا يشترط أن يغيّر الدنيا في يومٍ واحد، لكنه يحاول أن يغيّر شيئًا في نفسه أو عمله أو محيطه.
وكما تتجدّد الشمس كلَّ صباحٍ في نظرنا، يحتاج الإنسان أيضًا إلى أن يجدّد نشاطه وهمّته وطريقته في العمل، وأن يكون يومه أكثر علمًا ومعرفةً من أمسه؛ لأنَّ الإنسان إذا مرّ عليه يومٌ من دون أن يضيف إلى علمه أو خبرته أو وعيه شيئًا، فقد بقي في مكانه ولم يتقدّم خطوةً إلى الأمام. وقد يفشل بالأمس ثم ينجح اليوم، وقد يتعب اليوم ثم يستعيد نشاطه غدًا، وقد يكتشف بعد سنواتٍ أنَّ الإنجازات الكبيرة لم تأتِ دفعةً واحدة، وإنّما صنعتها أعمالٌ صغيرةٌ تكرّرت يومًا بعد يوم.
ومن المهمِّ أيضًا أن يستثمر الإنسان سنوات القوّة والنشاط في أن يضيف إلى حياتِه وإلى مَن حوله ما يستطيع من علمٍ وعملٍ وتغييرٍ إلى الأفضل؛ فهذه المرحلة لا تبقى على حالها دائمًا، ومع تقدّم العمر قد يقلُّ النشاط، وتضعف القدرة على بعض الأعمال التي كانت في السابق أسهل وأيسر. ولهذا فإنَّ ما يستطيع الإنسان أن ينجزه اليوم وهو في قوّته قد لا يستطيع إنجازه بالطريقة نفسها بعد سنوات، ومن هنا تصبح الاستفادة من هذه المرحلة فرصةً ثمينةً قد لا تتكرّر بالصورة نفسها.
ولهذا لا ينبغي أن يكون اليوم عند الإنسان مجرّد وقتٍ يجب أن ينتهي، بل فرصةً ينبغي أن تُستثمر. وإذا مدَّ الله في عمره إلى يومٍ آخر، فليكن ذلك اليوم مساحةً جديدةً للإضافة لا مجرّد استمرارٍ لما كان عليه بالأمس.
فالإنسان لا يستطيع أن يوقف مرور الأيام، لكنه يستطيع أن يقرّر ماذا يضع فيها قبل أن تمر. والعمر في النهاية ليس عدد السنوات التي عاشها الإنسان فقط، وإنّما ما صنعه في تلك السنوات، وما تعلّمه، وما أصلحه، وما تركه من أثر.
ولهذا فإنَّ أجمل ما يمكن أن يستقبل به الإنسان صباحه أن يقول لنفسه: اليوم ليس كالأمس، وما دام الله قد منحني يومًا جديدًا، فلا بدَّ أن يكون فيه شيءٌ جديد.












