سلامٌ يبحث عن صاحبته
في وداع فتحية الجشي

حين أستعيد فتحية، يسبقها وجهها المضيء بالسكينة؛ تستقبل من يُقبل عليها ببشاشة، تسأل وتنصت، وتمنح محدّثها شعورًا بأنّ حديثه يعنيها. في هذه التفاصيل كان رقيّها، ومنها تنشأ الألفة التي تبقى بعد انفضاض المجلس؛ يمضي اللقاء وتظلّ في النفس راحةٌ يصعب ردّها إلى كلمةٍ بعينها.
لمكانتها في نفسي جذورٌ تسبق لقاءاتنا؛ فقد كانت أمّها جارةً لأمّي، وبيتها ملاصقًا لبيت أهلي. أذكر وجع أمّي يوم رحلت جارتها؛ فقد عاشت قربها عمرًا من السؤال وتبادل السلام، ومعرفة الأحوال قبل أن تُروى. مع رحيل فتحية عاد إليّ حزن أمّي؛ انفتح باب البيت القديم، وعاد منه صوتان طال غيابهما.
أشدّ ما يوجع أنّ الذاكرة تحتفظ للراحل بعاداته الصغيرة. أسمع فتحية تسألني، وأستعيد الدفء في عينيها: ”كيف حال دكتورنا والأولاد؟ وبلّغيه تحياتي“. في كلمة ”دكتورنا“ مودةٌ تفسح له مكانًا بين أهلها وأحبتها، وفي سؤالها عن الأولاد ما يجعلني أشعر بأنّ لأحبتي نصيبًا من قلبها. أتهيّأ للردّ عليها، وأكاد أسألها عن حالها؛ يوجعني أنّ حديثنا انقطع، والسؤال ما زال على لساني.
سأبلّغهم سلامها، فيعود إليها من قلوبهم دعاء. حالت وعكتي دون حضور عزائها، فبقي في نفسي وجعُ وداعٍ فاتني، ورغبةٌ في الجلوس بين محبّيها، أسمع اسمها في أحاديثهم وأستعيد معهم شيئًا من حضورها. أحمل الآن سلامها إلى من أوصتني بهم؛ أمانةً يؤلمني أن أؤدّيها، وأعجز عن العودة إليها بجوابهم.
رحم الله أم سمير، وآنس روحها وأكرم مقامها، وربط على قلوب زوجها وأبنائها ومحبّيها.












