غبتُ سبع سنوات… فعُدتُ إلى سعودية أخرى

غادرت المملكة العربية السعودية عام 2015، ولم أعد إليها إلا في عام 2022.
سبع سنوات ليست زمنًا طويلًا في عمر الدول، ولذلك كنت أظن أنني سأعود إلى البلد الذي تركته، مع بعض الطرق الجديدة والمباني التي أضيفت هنا وهناك. لكنني منذ الأيام الأولى لعودتي شعرت أنني لم أغب سبع سنوات فقط؛ كأنني عدت إلى مكان أعرف اسمه، لكنني أحتاج إلى أن أتعرف إليه من جديد.
طرق لم أعرفها، وأحياء لم تكن في ذاكرتي، ومشروعات ومدن جديدة، بل حتى أسماء ووجهات ومسميات لم تكن مألوفة لي قبل سفري.
وكانت السيارات من أول الأشياء التي لفتت انتباهي. خُيّل إليّ أنها تضاعفت مرات ومرات. فالزحام الذي كنا نربطه بمدن كبيرة أو ساعات محددة، أصبح مشهدًا يمكن أن تصادفه في أماكن كثيرة، حتى في مدن وقرى صغيرة.
لكن هل الزحام دليل على مشكلة فقط؟
في الرياض تغيّرت المسارات، وظهرت مبانٍ وأسواق وأحياء جديدة، وأصبحت بعض الطرق التي كنت أعرفها تحتاج مني إلى أن أتعرف إليها من جديد. وفي الدمام رأيت تحولًا مشابهًا، أما الأحساء، التي أعرف طرقها وأحياءها جيدًا، فكان الفرق بالنسبة إليّ أكثر وضوحًا.
كنا في السابق إذا أردنا الانتقال من حي إلى حي آخر قد نضطر إلى الدوران والمرور بعدد من الإشارات، فنقطع مسافة قصيرة في وقت طويل. أما اليوم فقد فتحت الطرق والجسور والأنفاق والاختصارات مسارات جديدة، وأصبح بالإمكان، متى ما خف الزحام، الانتقال بين أطراف متباعدة من الأحساء في زمن لم نكن نتخيله سابقًا.
وفي الدمام والأحساء خصوصًا، لاحظت أن الإشارة المرورية نفسها تراجعت في كثير من الطرق الرئيسة أمام الجسور والأنفاق والتقاطعات الحرة.
وقد تبدو هذه تفاصيل مرورية، لكنها في الحقيقة تفاصيل اقتصادية.
فالطريق الذي يوفر عشر دقائق على سيارة واحدة، يوفر آلاف الساعات عندما تمر منه آلاف السيارات. والجسر الذي يلغي انتظار إشارة لا يغير شكل الشارع فقط، بل يسرّع حركة الإنسان والبضاعة والعمل والخدمة.
عندها بدأت أنظر إلى ما حولي بطريقة مختلفة: ربما لم أكن أشاهد مدنًا تتغير فحسب، بل اقتصادًا يعيد تشكيل المدن حتى تستوعب حركة أكبر.
وكانت الشاحنات الثقيلة مشهدًا آخر يصعب تجاهله. بدا لي أن حركتها ازدادت بصورة كبيرة؛ تنقل البضائع ومواد البناء والمنتجات والمعدات واحتياجات المصانع والأسواق والمشروعات. فالتطور الاقتصادي لا يظهر في المباني والأسواق وحدها، بل يمكن أن نراه أيضًا في حركة الطرق وما تحمله كل يوم.
ثم هناك القطارات.
عندما غادرت المملكة، كان القطار في ذهني مرتبطًا بصورة تكاد تكون واحدة: قطار الدمام والرياض. أما اليوم فأصبحت السكك الحديدية تمتد شمالًا وغربًا وشرقًا، وتربط عددًا أكبر من مدن المملكة. لم يعد القطار بالنسبة إليّ وسيلة تنقل بين مدينتين أعرفهما، بل أصبح جزءًا من شبكة نقل تتسع مع اتساع حركة المملكة نفسها.
لكنني، وأنا أنظر إلى كل هذا، أدركت أن التغيير الذي أمامي لم يكن كله من الإسفلت والحديد والإسمنت.
فالمدن لا تتغير وحدها، وإنما يتغير الإنسان الذي يعيش فيها أيضًا.
الشارع نفسه أصبح مختلفًا. الناس أكثر حضورًا، والحركة الاجتماعية والتجارية أكثر وضوحًا، والمطاعم والمقاهي والأسواق والفعاليات أكثر انتشارًا، والمرأة تقود سيارتها وتشارك بصورة أوسع في الحركة اليومية والعمل والاقتصاد.
فهل الاقتصاد هو المصانع والأسواق والطرق وحدها؟
ربما يكون أهم استثمار اقتصادي هو ذلك الذي لا نستطيع رؤيته من نافذة السيارة: التعليم.
نحن أبناء جيل عرف المدرسة بصورة مختلفة؛ كان المعلم في الغالب هو مصدر المعرفة، يشرح، والطالب يستمع، ثم يحفظ ما تلقاه ويجيب عنه في الاختبار.
أما ما أراه اليوم فهو صورة مختلفة. أصبح الطالب جزءًا أكبر من عملية التعلم، ودخلت التقنية بصورة أوسع، واتسعت مساحة البحث والحوار والتفكير والنقد والمشاركة، وأصبحت المهارات والتقنية أكثر حضورًا في العملية التعليمية.
لكن ما علاقة التعليم بالاقتصاد؟
الطريق يحتاج إلى من يصممه، والقطار إلى من يديره ويطوره، والمصنع إلى مهندس، والمستشفى إلى طبيب وباحث، والاقتصاد الجديد إلى إنسان يستطيع أن يتعلم ويبحث ويناقش ويبتكر، لا إلى إنسان يحفظ المعلومة ثم ينساها بعد الاختبار.
ولعلنا بدأنا نرى بعض ثمار هذا الاتجاه؛ فالطلاب والطالبات السعوديون أصبحوا يحضرون بقوة في المسابقات العلمية الدولية في الرياضيات والفيزياء والكيمياء والأحياء والمعلوماتية والعلوم والهندسة والابتكار، وعاد كثير منهم بميداليات وجوائز دولية.
ولا يمكن بالطبع أن ننسب هذه النتائج إلى المناهج وحدها؛ فخلفها منظومة من اكتشاف الموهوبين والتدريب والرعاية والتأهيل، لكنها تكشف عن نوع جديد من الاستثمار في الإنسان السعودي.
وهكذا بدأت الصورة التي رأيتها بعد عودتي تكتمل أمامي.
فالطريق استثمار في المكان، والقطار استثمار في الحركة، والمشروع استثمار في المال، لكن التعليم استثمار في الإنسان الذي سيصنع كل ذلك ويحافظ عليه ويطوره.
أنا لا أنظر إلى المملكة اليوم من خلال الأرقام وحدها؛ فللأرقام تقاريرها ومؤشراتها، أما ما أكتبه هنا فهو ما رأيته بعيني، بعين رجل غادر المملكة سبع سنوات ثم عاد.
وربما لهذا رأيت الفرق بصورة أكثر حدة ممن عاش التغيير يومًا بعد يوم.
رأيت طرقًا لم تكن موجودة، وأحياء لم أعرفها، ومدنًا تتوسع، وقطارات تمتد، وشاحنات تحمل حركة تجارية متزايدة، ونساء يقدن سياراتهن، وطلابًا ينافسون العالم في العلوم والابتكار.
ومع كل مشهد كان السؤال يتكرر:
ماذا حدث خلال تلك السنوات السبع؟
ثم اكتشفت أن السؤال ربما لا ينبغي أن يكون: كم تغيّر الاقتصاد السعودي؟
بل:
أي إنسان، وأي مدينة، وأي اقتصاد نصنع للسنوات القادمة؟












