آخر تحديث: 3 / 10 / 2026م - 11:20 ص

أريد قهوة سوداء فقط

يعقوب السليس *


في اليوم العالمي للقهوة، لن أحدثكم عن أصلها وفصلها، ولا عن الراعي الذي اكتشف أن ماعزه أصبحت أكثر نشاطًا بعد أن أكلت ثمار البن، ولا عن اليمن والحبشة وطرق التجارة.

كل هذه القصص أُعيد تحميصها بما يكفي.

أنا فقط أريد فنجان قهوة.

وهنا تبدأ المشكلة.

تدخل أحد المقاهي وتقول للباريستا بكل براءة:

- قهوة سوداء، لو سمحت.

ينظر إليك نظرة توحي بأن إجابتك ناقصة:

- إسبريسو؟ أمريكانو؟ قهوة اليوم؟ مقطرة؟ V60؟

تتردد قليلًا، ثم تختار واحدة منها، معتقدًا أنك اجتزت الامتحان.

لكننا ما زلنا في السؤال الأول.

- أي محصول تفضل؟ إثيوبي؟ كولومبي؟ برازيلي؟ كوستاريكي؟

وفجأة تكتشف أن طلب فنجان قهوة يحتاج إلى معلومات في الجغرافيا أكثر مما احتجته في المدرسة.

وإذا جلست مع بعض الشباب، تصبح المسألة أكثر إثارة.

هذا يحدثك عن «الإيحاءات الحمضية»، وآخر يجد في الفنجان نكهة توت وشوكولاتة وياسمين، وثالث يناقش درجة التحميص والطحن وحرارة الماء ومدة الاستخلاص.

وأنت تنظر إلى الفنجان وتقول في نفسك:

أنا كنت أظنه قهوة!

القهوة لدى شريحة واسعة من الشباب في السعودية لم تعد مجرد مشروب. أصبحت هواية، وثقافة، وطقوسًا، ولغة كاملة لها مفرداتها التي لا يعرفها إلا أهلها.

هناك من يشتري مطحنة بمئات الريالات، وميزانًا أدق من ميزان الصيدلية، وغلاية برقبة طويلة، وأداة ترشيح، وفلاتر خاصة، ثم يبدأ البحث عن المحاصيل الموسمية وكأنه مسؤول المشتريات لمنظمة البن العالمية.

وبعضهم يستطيع أن يحدثك طويلًا عن الفرق بين محصول إثيوبي وآخر كولومبي.

ثم تشرب الاثنين…

ولا تعرف أيهما الإثيوبي.

فتلتزم الصمت حفاظًا على ما تبقى من هيبتك.

وحتى المقاهي نفسها تغيرت.

لم يعد المقهى مكانًا تشرب فيه القهوة وتمضي. أصبح مكتبًا، ومكانًا للقاء، وغرفة اجتماعات، ومقرًا للمذاكرة، واستديو تصوير، وأحيانًا مكانًا تجلس فيه ساعتين أمام فنجان انتهى منذ الساعة الأولى.

ولست هنا في مقام السخرية من هذه الثقافة.

بل الحقيقة أن فيها شيئًا طريفًا، وشغفًا يستحق الاحترام.

جيل كامل تعلم أن للقهوة تفاصيل لا تنتهي.

بينما كان آباؤنا وأجدادنا يملكون نظامًا أبسط بكثير:

- قهوة؟

- نعم.

وانتهت الإجراءات.

جدي، على الأرجح، لم يكن ليسأل ضيفه:

- تفضلها معالجة بالتجفيف أم بالغسل؟

ولو سأله، لانصرف الضيف قبل أن تصل الدلة.

اليوم الوضع مختلف.

الشاب لا يريد فنجانًا فقط، بل يريد أن يعرف لماذا كانت فيه «إيحاءات الخوخ»، مع أن الخوخ نفسه لم يقترب منه في حياته.

حتى كلمة «قهوة» نفسها لم تعد كافية.

أن تقول للباريستا:

- أريد قهوة.

يشبه اليوم أن تدخل معرض سيارات وتقول للبائع:

- أريد سيارة.

سيبتسم لك بأدب…

ثم تبدأ الأسئلة.

أما أنا فما زلت أحيانًا أدخل المقهى وأقول للرجل بكل ثقة:

- قهوة سوداء، لو سمحت.

فيسألني:

- أي نوع؟

فأجيبه:

النوع الذي لا يحتاج مقابلة شخصية.

على الهامش…

إذا كنت تستطيع اكتشاف «إيحاءات الخوخ والياسمين والشوكولاتة الداكنة» في فنجان القهوة، فأنا أحترم موهبتك.

أنا لا أزال أملك تصنيفًا أبسط:

بلاك… وتعدل الرأس.