كبار السن… ذاكرة الوطن ومسؤولية المجتمع

في الأول من أكتوبر من كل عام، يحتفي العالم باليوم العالمي لكبار السن، وهي مناسبة تتجاوز مجرد الاحتفاء بفئة عمرية، لتكون وقفة وفاء وتقدير لجيل أسهم في بناء الأسرة والمجتمع والوطن، وترك لنا من الخبرة والتجربة ما يستحق أن نصغي إليه ونحافظ عليه.
وفي ديننا الإسلامي، لم يكن احترام الكبير قيمة اجتماعية عابرة، بل خُلُقًا أصيلا يقول الله تعالى في شأن الوالدين: «وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا»، ويقول سبحانه: «وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ»، وفي الحديث الشريف: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا». فالتوقير والرحمة وحسن الصحبة وحفظ الكرامة ليست منّة نقدمها لكبار السن، وإنما حقوق أصيلة وقيم دينية وأخلاقية نربي عليها الأجيال.
أما على مستوى الوطن، فكبار السن يمثلون جزءًا مهما من ذاكرته وتاريخه الحي. فمنهم المعلم والطبيب والعامل والأب والأم الذين شاركوا في مسيرة البناء والتنمية، وما نراه اليوم من تقدم وازدهار هو امتداد لجهود أجيال سبقتنا، وعملت بإخلاص بما توفر لها من إمكانات.
وقد أولت المملكة العربية السعودية هذه الفئة اهتماما خاصا من خلال نظام حقوق كبير السن ورعايته، الذي يؤكد حقهم في الرعاية والحماية، ويمنحهم الأولوية في الحصول على الخدمات الأساسية، ولا سيما الصحية والاجتماعية، ويؤكد أهمية تهيئة المرافق العامة بما يتناسب مع احتياجاتهم.
من الناحية الطبية، يرافق التقدم في العمر تغيرات فسيولوجية قد تؤثر في وظائف أعضاء الجسم، وتزيد احتمالية الإصابة ببعض الأمراض المزمنة، مما يستدعي اتباع نهج صحي يركز على الوقاية والمحافظة على الاستقلالية وجودة الحياة.
ومن أهم الجوانب التي ينبغي الاهتمام بها:
أولا: الاستخدام الآمن للأدوية وتجنب الإفراط فيها
يعد تعدد الأدوية من التحديات الصحية المهمة لدى كبار السن، خصوصا مع وجود أمراض مزمنة تستدعي مراجعة أكثر من طبيب. وقد يؤدي تناول أدوية متعددة دون مراجعة دورية إلى زيادة احتمالية التداخلات الدوائية والآثار الجانبية، مثل الدوخة والسقوط واضطرابات الذاكرة، فضلًا عن التأثيرات المحتملة في وظائف الكلى والكبد.
ولذلك، من الضروري مراجعة قائمة الأدوية بصورة دورية مع الطبيب المعالج، والتأكد من الحاجة إلى كل دواء وملاءمة جرعته، وتجنب تناول الأدوية دون استشارة طبية، بما فيها المسكنات والمكملات الغذائية والأعشاب. كما ينبغي عدم إيقاف الأدوية الموصوفة أو تعديل جرعاتها دون الرجوع للطبيب.
ثانيا: توفير بيئة آمنة داخل المنزل وخارجه.
قد تؤدي بعض التغيرات المرتبطة بالعمر، مثل ضعف التوازن أو النظر أو العضلات، إلى زيادة احتمالية السقوط والإصابات.
ومن هنا تبرز أهمية تهيئة المنازل بإضاءة مناسبة، وإزالة العوائق والأرضيات الزلقة، وتوفير مقابض مساعدة في دورات المياه والسلالم، إلى جانب تهيئة الأرصفة والممرات والمرافق العامة، وتوفير المنحدرات والمصاعد ومواقف السيارات القريبة والمخصصة لكبار السن. فالبيئة الآمنة ليست ترفا، بل ضرورة تحفظ استقلاليتهم وتقلل احتمالية تعرضهم للإصابات
ثالثا: إعطاؤهم الأولوية في الخدمات الصحية.
إن مراعاة كبار السن في المستشفيات والمراكز الصحية ينبغي أن تكون ممارسة مؤسسية راسخة، من خلال تسهيل حجز المواعيد، وتقليل فترات الانتظار، وتوفير المقاعد المناسبة، وتيسير إجراءات الدخول والتنقل، وتقديم المساعدة لمن يحتاجها.
كما أن تخصيص مسارات خدمية مناسبة لهم، وتعزيز التنسيق بين التخصصات الطبية، يسهمان في تحسين جودة الرعاية وتخفيف الأعباء الجسدية والنفسية عليهم وعلى أسرهم.
رابعا: الوقاية والمحافظة على النشاط البدني والذهني.
لا ينبغي أن يُنظر إلى التقدم في العمر باعتباره مرادفًا للعجز أو المرض؛ فكثير من كبار السن يتمتعون بصحة جيدة وقدرة على العطاء والمشاركة.
ومن المهم تشجيعهم على ممارسة النشاط البدني المناسب لحالتهم الصحية، والاهتمام بالتغذية المتوازنة، وإجراء التقييمات الصحية اللازمة بحسب احتياجاتهم، بما فيها النظر والسمع والذاكرة والتوازن، مع الحرص على التطعيمات الموصى بها.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أهمية الرعاية المتكاملة التي تحافظ على القدرات الجسدية والذهنية والنفسية، بدلا من الاقتصار على علاج الأمراض بصورة منفصلة.
خامسا: الاهتمام بالصحة النفسية وتعزيز التواصل الاجتماعي.
قد تكون العزلة الاجتماعية والشعور بفقدان الدور من التحديات التي يواجهها بعض كبار السن، خصوصا بعد التقاعد أو فقدان شريك الحياة.
ولذلك، فإن التواصل الأسري المستمر، وإشراكهم في المناسبات والقرارات العائلية، وتشجيعهم على ممارسة هواياتهم والمشاركة في الأنشطة المجتمعية، يمثل جانبا مهما من المحافظة على صحتهم النفسية وشعورهم بالانتماء.
ولا ينبغي أن تتحول الرعاية إلى وصاية تسلبهم استقلاليتهم؛ بل يجب احترام رغباتهم وإشراكهم في القرارات المتعلقة بحياتهم وصحتهم ما دامت لديهم القدرة على اتخاذها.
لعل من أجمل صور الوفاء أن ننتقل من مفهوم ”رعاية كبار السن“ إلى مفهوم أوسع وهو ”الشراكة مع كبار السن“.
فهم ليسوا مجرد متلقين للخدمات والمساعدة، بل أصحاب خبرات وتجارب وقيم تستحق أن تنتقل إلى الأجيال القادمة. ومن واجب المؤسسات التعليمية والاجتماعية الاستفادة من هذه الثروة الإنسانية، وفتح المجال أمامهم للمشاركة في المبادرات التطوعية والأنشطة المجتمعية ونقل الخبرات.
إن قيمة الإنسان لا تتراجع بتقدم عمره، ولا تنتهي مساهمته بمجرد تقاعده عن العمل؛ فسنوات العمر ليست أرقاما تُحصى، بل تجارب ودروس وحكمة تتراكم.
وفي يومهم العالمي، تبقى رسالتنا الأهم:
لا يحتاج كبار السن إلى يوم نتذكرهم فيه، بقدر ما يحتاجون إلى مجتمع لا ينساهم طوال العام.
احترامهم وفاء، ورعايتهم مسؤولية، والاستفادة من خبراتهم حكمة، وحفظ كرامتهم مقياس من مقاييس رقي المجتمعات.
فهم الذين مهدوا لنا الطريق بالأمس، ومن حقهم علينا أن نجعل طريقهم اليوم أكثر أمنا وكرامة وطمأنينة.












