آخر تحديث: 3 / 10 / 2026م - 11:20 ص

اضغط وتوكل على الله..!

يوسف الطويل *


تصلنا يوميًا عشرات الرسائل والمقاطع عبر وسائل التواصل.

خبر عاجل، وصفة طبية، تحذير من منتج، فضيحة لشخص، حديث منسوب إلى النبي ﷺ، دعاء أو صلاة يُطلب منك تكرارها مرات معينة، تسجيل صوتي عن شركة، أو رسالة تبدأ بالعبارة الشهيرة:

«وصلني من مصدر موثوق»

ثم ماذا نفعل؟

نضغط ونتوكل على الله…!

نرسلها إلى مجموعة العائلة، ثم الأصدقاء، ثم العمل، وربما نضعها في الحالة أيضًا.

مرة لأن الرسالة أعجبتنا.

ومرة لأننا خفنا منها.

ومرة لأننا نريد الخير للآخرين.

ومرة، ولنكن صريحين، لأننا نريد أن نكون أول من جاء بالخبر.

لكن كم مرة توقفنا قبل الضغط وسألنا:

من صنع هذه الرسالة أصلًا؟ ولماذا صنعها؟

أعرف المرسل ولا أعرف المصدر

تصلني الرسالة من شخص أعرفه وأثق به، فأطمئن إليها.

لكن صاحبي لم يكتبها.

أخذها من صاحبه، وصاحبه أخذها من مجموعة، والمجموعة نقلتها من شخص آخر، وبعد عشرات التحويلات اختفى المصدر الأول تمامًا.

نحن نثق بالناقل الأخير، بينما الذي ينبغي أن نبحث عنه هو المصدر الأول.

والغريب أننا لو قابلنا شخصًا مجهولًا في الشارع وقال لنا:

«خذ هذه المعلومة وانشرها بين الناس»

لسألناه فورًا:

من أنت؟

ومن أين أتيت بهذا الكلام؟

لكن عندما تدخل المعلومة نفسها إلى هاتفنا عن طريق شخص نعرفه، تختفي أحيانًا كل هذه الأسئلة.

وهل قرأنا أصلًا ما نرسله؟

إذا قلت لبعض الناس:

«لا تعيدوا إرسال كل ما يصلكم قبل أن تقرؤوه وتتأكدوا منه»

قد يجيبك فورًا:

«على العكس، أنا لا أرسل شيئًا إلا بعد أن أقرأه».

جميل.

لكن الواقع أحيانًا يقول غير ذلك.

قد يرسل لك أحدهم رسالة طويلة عن حرمة الغيبة وخطورتها، وبعد دقائق تجلس معه فتجده يغتاب فلانًا وفلانًا.

فتقول له مازحًا:

«وماذا عن رسالتك التي أرسلتها قبل قليل عن الغيبة؟»

فيجيبك بكل عفوية:

«حقًا؟ لم أنتبه إلى أنها تتحدث عن الغيبة».

وهنا لا نحتاج إلى تحقيق طويل.

لقد أجاب بنفسه:

هو لم يقرأ ما أرسل.

ربما قرأ العنوان، أو رأى آية أو حديثًا أو تصميمًا جميلًا، فافترض أن الرسالة نافعة، ثم ضغط «إعادة توجيه».

وهنا تصبح المشكلة أغرب:

نحن لا ننقل أحيانًا معلومة لا نعرف مصدرها فقط…

بل قد ننقل رسالة لا نعرف حتى ماذا تقول!

ومن قال إن كل رسالة بريئة؟

قد يكون منشئ الرسالة شخصًا أخطأ بحسن نية.

وقد يكون باحثًا عن الشهرة.

وقد يكون محتالًا.

وقد يكون صاحب مصلحة يريد الإضرار بمنافس.

وقد تكون بعض المواد جزءًا من حملة منظمة تسعى إلى التأثير في الرأي العام أو إثارة البلبلة أو خدمة مصالح معينة.

ولا يحتاج صاحب المصلحة دائمًا إلى آلاف الأشخاص يعملون لديه.

يكفي أن يصنع مادة قابلة للانتشار، ثم يضعها في أول الطريق.

ونحن نتكفل بالباقي…

مجانًا.

اضرب المنافس واترك الباقي علينا

تخيل أن صاحب مصلحة يريد الإضرار بمنتج منافس.

يصنع مقطعًا يزعم أن المنتج يحتوي مادة خطيرة أو أنه يسبب مرضًا معينًا.

لا دراسة.

لا جهة صحية.

لا متخصص معروف.

لا مصدر يمكن الرجوع إليه.

مجرد صوت واثق، وصور مخيفة، وعبارات مثيرة.

ماذا يحدث؟

يرسله الأول خوفًا على أسرته.

ويرسله الثاني إلى زملائه من باب النصيحة.

والثالث إلى عشر مجموعات.

ويضعه الرابع في حالته.

وبعد أيام نسمع:

«الجميع يتحدث عن هذا المنتج».

ومن هؤلاء الجميع؟

نحن!

لقد أخذنا معلومة مجهولة المصدر، ثم صنعنا بأنفسنا من انتشارها دليلًا على صحتها.

وقد لا يكون أحد منا قد صنع الكذبة، لكن كل من نشرها دون تثبت أصبح جزءًا من سلسلة توزيعها.

وحتى الدين يدخل من الباب نفسه

بعد وفاة والدتي**، رحمها الله،** وصلتني رسائل كثيرة من محبين أرادوا مواساتي والدعاء لها، وجزاهم الله خيرًا على نياتهم.

لكن لفت انتباهي تكرار نوع من الرسائل:

«اقرأ هذه الآية ست مرات».

«ردد هذا الدعاء عشر مرات».

«صلِّ بهذه الكيفية عددًا معينًا من المرات».

افعل كذا لتحصل على فضل معين.

وأحيانًا تُنقل أحاديث وروايات وفضائل دون مصدر واضح.

أنا هنا لا أناقش فضل القرآن، ولا الدعاء، ولا الذكر، ولا الصلاة.

سؤالي أبسط:

من أين جاء هذا العدد؟

ومن خصَّ هذه الآية أو العبادة بهذه الكيفية؟

ومن قال إن لهذه العبادة بهذه الصورة تلك النتيجة المحددة؟

إن كان الأمر ثابتًا، فخير وبركة.

أما إن لم نعرف، فلماذا ننسب إلى الدين ما لم نتثبت منه، ثم نطلب من غيرنا أن ينشره؟

حسن النية لا يحول المعلومة غير الصحيحة إلى حقيقة.

لأنهم يعرفون أين يضربون

أسرع الرسائل انتشارًا ليست بالضرورة أكثرها صدقًا.

بل كثيرًا ما تكون أكثرها قدرة على تحريك العاطفة.

مريض يحتاج العلاج فورًا.

طفل مفقود.

فضيحة.

منتج يسبب السرطان.

حديث بثواب عظيم.

خبر يمس الوطن.

معلومة تغضبك.

كل واحدة منها تضغط على زر داخل الإنسان قبل أن يصل إصبعه إلى زر الهاتف:

الخوف.

الغضب.

الفضول.

الرحمة.

الدين.

الوطن.

ولهذا ينبغي أن تكون القاعدة معكوسة:

كلما أثارت الرسالة عاطفتك أكثر، احتاجت منك إلى تثبت أكثر.

أنت لم تنقل الرسالة فقط

عندما تستقبل رسالة فأنت متلقٍ.

لكن لحظة ضغطك على «إعادة توجيه» تتغير صفتك.

أصبحت ناشرًا.

والشخص الذي صنع الرسالة قد لا يعرف أفراد أسرتك ولا أصدقاءك ولا زملاءك.

لكنهم يعرفونك أنت.

وقد يصدقون المعلومة لا لأن مصدرها موثوق، بل لأنك أنت الذي أرسلتها.

وهنا يحدث شيء أخطر من مجرد النقل:

أنت لم تنقل الرسالة فقط…

لقد أعرتها شيئًا من مصداقيتك.

وليس كل ما صح يجوز نشره

لكن التثبت من صحة المعلومة ليس نهاية المسؤولية.

فهناك سؤال آخر لا يقل أهمية:

هل يحق لي نشرها أصلًا؟

قد تكون الصورة حقيقية.

وقد يكون التسجيل صحيحًا.

وقد تكون المحادثة قد حدثت فعلًا.

وقد يكون الخبر عن شخص صحيحًا.

لكن هل يعني ذلك أن من حقي أن أنشر خصوصيات الناس وصورهم ومحادثاتهم وأسرارهم؟

ليس كل ما نعرفه يجب أن نقوله.

وليس كل ما صح يجوز نشره.

فقد تكون الرسالة صحيحة، لكن نشرها غيبة.

وقد تكون الصورة حقيقية، لكن تداولها انتهاك لخصوصية إنسان.

وقد تكون القصة وقعت فعلًا، لكن نشرها بين الناس فضيحة وضرر لا مصلحة فيه.

وهنا لا يعود السؤال:

«هل الخبر صحيح؟»

بل يصبح:

«وحتى لو كان صحيحًا… لماذا أنشره؟»

والمسؤولية لا تنتهي عند زر «إرسال»

وهنا نصل إلى ما هو أبعد من الخطأ الاجتماعي.

فالقرآن وضع لنا قاعدة واضحة في التعامل مع الأخبار:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6]

لاحظوا العلاقة:

خبر… ثم تبيُّن… حتى لا يقع الضرر… ثم الندم.

وكأن القضية التي نعيشها اليوم مع زر «إعادة التوجيه» قد وُضعت لها القاعدة قبل وجود الهاتف نفسه.

فإذا نقلت عن إنسان ما لم يقل، أو ساهمت في التشهير به، أو نشرت عنه كذبًا، أو أعدت إرسال فضيحة، أو نشرت خبرًا أمنيًا ثم تبين كذبه، فلا يكفي أن تقول:

«لم أكتبها، وإنما وصلتني فأعدت إرسالها»

فأنت**، ربما،** لم تصنعها، لكنك ساهمت في إيصالها.

ومن هنا قد تصبح للضغطة مسؤولية أمام الله، بحسب ما نقلته وما ترتب عليه من ظلم أو أذى.

وقد تكون لها كذلك مسؤولية نظامية إذا كان المحتوى المنشور مما تُجرِّمه الأنظمة، كالتشهير بالآخرين أو الإضرار بهم عبر وسائل التقنية، أو غير ذلك مما تحكمه الأنظمة بحسب طبيعة المحتوى والواقعة.

إذن المسألة ليست دائمًا:

«مجرد رسالة واتساب»

فالضغطة قد تستغرق ثانية…

لكن أثرها قد يبقى سنوات.

وقد تصبح أكبر منك ومني

الإشاعة قد تظلم إنسانًا.

وقد تهدم علاقة.

وقد تشوِّه سمعة شركة.

وقد تدفع مريضًا إلى اتباع معلومة صحية خاطئة.

وقد تسبب خسائر اقتصادية.

وفي بعض الحالات قد تتجاوز آثار المعلومات المضللة الفرد والشركة**، لتصل إلى الإضرار بالمصلحة العامة** وإثارة البلبلة.

وهنا تظهر خطورة من يصنع المعلومة المضللة عمدًا.

فهو لا يحتاج بالضرورة أن يصل بنفسه إلى مليون شخص.

يكفي أن يصل إلى أول عشرة…

ثم نعمل نحن لديه دون أن نعرفه.

خمس ثوانٍ قد تكفي

لا أطالب أحدًا بأن يصبح محققًا أو خبيرًا في الإعلام أو الأمن السيبراني.

لكن قبل أن تضغط «إرسال»، أعطِ نفسك خمس ثوانٍ فقط:

من المصدر؟

هل قرأت الرسالة أصلًا كاملة؟

هل أستطيع التحقق منها؟

هل المقطع حديث أم قديم أعيد استخدامه؟

من المستفيد من انتشاره؟

وحتى لو كان صحيحًا… هل يحق لي نشره؟

ولو ظهر غدًا أنه كذب…

هل أرضى أن أتحمل مسؤوليتي عن نشره؟

وإذا لم تعرف؟

هناك خيار بسيط جدًا:

دع الرسالة تموت عندك.

ربما لا تستطيع منع من صنع الإشاعة.

ولا تستطيع معرفة من يقف خلف كل مقطع.

ولا تستطيع إيقاف كل معلومة كاذبة في العالم.

لكن تستطيع أن تفعل شيئًا واحدًا:

ألا تمر من خلالك.

لذلك في المرة القادمة عندما يصلك خبر مثير، أو فضيحة، أو وصفة، أو تحذير، أو رسالة مجهولة المصدر…

لا تفعل ما اعتدنا فعله:

اضغط وتوكل على الله…!

اقرأ.

واسأل.

وتثبت.

ثم قرر.

فربما كان الذي صنع الرسالة لا يعرفك أصلًا…

لكنه كان يعتمد على إصبعك.